تحدثت في المقالة السابقة عن وجود بعض الممارسات ضد المرأة في المجتمع الإماراتي ـ في بعض العائلات ـ يمكن أن تصنف ضمن ما يسمى ب(ثقافة العيب)، هذه الثقافة التي تتوجّه ظلماً إلى شريحة كبيرة من النساء في مجتمعنا، يعانين من الكبت والقهر دون ذنب اقترفنه إلا أنهنّ خلقن نساء، مع أنهن قد يمتلكن من الإمكانيات والمواهب والمهارات ما يمتلكه الرجال، ومع هذا لا يزلنَ يعشنَ في الظلام، لأن ظهورهن وإظهارهن لإمكانياتهن ومهاراتهن (عيب)!

وسأذكر في هذه المقالة بعض تلك الممارسات التي لا تتناسب مع ما وصلت إليه المرأة ـ بصورة عامة ـ في مجتمعنا خلال سنوات قليلة، يفوق ما وصلت إليه غيرها في دول أخرى خلال سنوات طويلة، إلا أن هذه الصورة المتفائلة تنطبق على بعض النساء في عدد من العائلات، في حين تعاني غيرهنّ بمرارة في سبيل إثبات وجودهن، والتنعُّم بأبسط حقوقهن التي يكفلها لهنّ الدين، ولا تتعارض منطقيا مع عاداتنا وتقاليدنا الحقّة.

وإذا أردنا التمثيل على بعض الممارسات المجحفة ضد المرأة في بعض العائلات سنجد أن أولها إعطاء الأخ سلطة مطلقة على أخته بغضّ النظر عن أي عوامل واعتبارات أخرى، كعامل السنّ أو المستوى التعليمي،

لأنه رجل، أو حتى مشروع رجل، وهي امرأة، بموافقة ومباركة من الأهل أحيانا، وبصمت وتجاهل منهم أحيانا أخرى، وكل هذا يعود في رأيي إلى سيادة ثقافة العيب وتغلغلها في كثير من العائلات حتى باتت تحكم تصرفاتهم دون تفكير أو مراجعة لمدى صلاحيتها أو جدواها.

ومن المظاهر الدالّة على سيطرة هذه الثقافة ـ دون مراجعة ـ على تفكير بعض العائلات التي تتفاوت في مستوياتها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتعليمية، أن بعض العائلات ترى أن انكشاف وجه المرأة (عيب)، لأسباب لا علاقة لها بالدين غالبا، مع أن هذا الموضوع لم يُحسم من قِبَل الفقهاء،

وظلّت الآراء فيه متأرجحة بين حلّ وحرمة. وأقول إن الأمر لا علاقة له بالدين عند هذه العائلات لأنها توجب على الفتيات والنساء تغطية الوجه أمام الرجل الإماراتي أو الخليجي، أما إذا كان أجنبيا، سواء هنديا أو عربيا وافدا أو غير ذلك، فلا بأس من انكشاف الوجه أمامه.

ومنها أيضا، أن قيادة المرأة للسيارة (عيب) في عُرْف عدد كبير من العائلات، مع أن عادة استخدام السائقين منتشرة عندنا منذ سنوات طويلة، دون أن يروا فيها (عيبا) أو مساسا لحرمة البيت. ويبدو لي أن خطر تنقّل المرأة مع سائق أكبر من خطر تنقلها بسيارتها، كما أن ركوبها بمفردها مع السائق يُعدّ خلوة شرعية.

وعمل الفتاة في مكان مختلط (عيب)، وقد أدى هذا إلى اكتظاظ كلية التربية وكليات العلوم والعلوم الإنسانية والاجتماعية بالطالبات، لأنهن يردن أن يعملنَ في سلك التدريس بعد التخرج، دون أن يعكس هذا رغبة حقيقة لديهن في ممارسة مهنة التدريس، أو إيمانا صادقا بأهمية هذه الوظيفة التي تتجاوز كونها وظيفة بمعنى مصدر دخل، إنما هي أمانة ومسؤولية تفوق أهميتها أية ممارسة وظيفية أخرى.

وممارسة الفتاة أي نشاط أدبي إبداعي يعدّ (عيبا) أيضا؛ فالمواهب الكامنة من الأديبات الإماراتيات أكثر بكثير مما هو موجود على الساحة فعلا، ولكن قوانين (العيب) تحول دون وصول كثير من فتياتنا وأقلامهنّ إلى النقاد والجمهور.

كما أن كثيرا من العائلات تمنع بناتها من الخروج من المنزل إلا للضرورة القصوى، فلا تكاد الفتاة ترى الأسواق إلا في المناسبات أو الأعياد فقط إن استدعى الأمر. وإذا كانت العائلات بدأت في التساهل في هذا الجانب فإن جانبا آخر لا يزال غارقا في (العيب) مع أنه مهم وضروري جدا للفتاة،

وهو جانب الزيارات وحضور المناسبات الاجتماعية؛ فبعض العائلات تمنع بناتها من الخروج من المنزل لزيارة صديقة، أو لحضور حفل زفافها، أو مشاركتها في أي مناسبة، في حين يحق للأبناء الذكور زيارة أصدقائهم والخروج معهم في أي وقت وإلى أي مكان.

ومع أهمية هذا الجانب من الناحية النفسية على الفتاة ذاتها، وأهميته من الناحية الاجتماعية على شدّ أواصر الترابط والتقارب بين أفراد المجتمع، إلا أنه لا يزال يعاني من الإقصاء في كثير من العائلات حتى اليوم.

ومظهر آخر من مظاهر هذه الثقافة يجد رواجا بين عدد كبير من العائلات هنا وفي دول خليجية أخرى، هو رفض الأهل زواج الفتاة من رجل خارج العائلة لأن زواجها من رجل غريب (عيب). وتفضل هذه العائلات أن تبقى الفتاة دون زواج على أن تتزوج من رجل ليس من عائلتها، حتى لو كان من عائلة معروفة ومشهود لها الخير.

وفي هذه العائلات، وربما في غيرها ممن لا يتوقف عند ضرورة أن يكون المتقدم من أفراد العائلة، تواجه الفتاة (عيبا) آخر، هو عدم السماح لها برؤية خاطبها والجلوس معه الا في وجود الأهل، لأن مثل هذا المطلب، الذي أقرّه الدين الإسلامي، (عيب) عند بعض عائلاتنا، لذلك غالبا ما تتزوج الفتيات من رجال لا يعرفن ملامحهم!.

وإذا شئنا أن نكمل سلسلة (العيوب) سنجدها طويلة، وتبقى التساؤلات الحائرة تجول في النفوس عن سرّ بقاء مثل هذه الأفكار بين ظهرانينا ونحن مجتمع قطع أشواطا كبيرة في التطور الحضاري على مختلف المستويات. ولماذا يجب على عدد كبير من فتياتنا أن يعشن في الظلام

رغم امتلاك الكثيرات منهم لمواهب وقدرات إبداعية من الممكن أن تغني البلاد وتحقق لها مكاسب مادية ومعنوية كثيرة إن ظهرت للنور ووجدت من يحسن العناية بها؟ ولماذا تُحرَم الفتاة من أبسط حقوقها الإنسانية التي لا تخالف الدين، ولا العادات الأصيلة المستندة إلى العقل والمنطق الحكيم في حين يُمنَح الشباب حقوقا تفوق مطامحهم منذ سنوات إدراكهم الأولى؟

sunono@yahoo.com

جامعة الإمارات