سألت صموئيل هانتينغتون في لقاء مباشر بمنتدى دراسات المستقبل عن مدى تصوره لفكرة «صدام الحضارات» التي اذاعها قبل سنوات.. وهل ما زال يصّر عليها ازاء تمايز الثقافات لا الحضارات بين عالمي الشمال والجنوب ؟

أجابني: ان الثقافات تتغير من زمن لآخر، ولكن الحضارات تحولاتها بطيئة ! قلت له: ولكن الثقافة اسلوب حياة في حضارة أية امّة وتكوين أي عصر. قال: نعم.

ولكنني اقصد ما الذي سيكون عليه العالم في هذا القرن، ولم اكن اعني القرن الماضي. قلت: وما الذي ينفع العالم في بناء المستقبل، اقصد ما الذي ترسمه من أسس جديدة؟

قال: ان تصغي الحضارات جميعا الى ما تقوله وتنتجه حضارة هذا العصر، وهي ليست اليوم غربية بالضرورة، بل غدت «عالمية» بفعل الاتصالات العولمية. قلت: تعني ان يكون العالم الاسلامي في رعايتها؟

قال: انه متصادم معها لأنه لا يريد ان يكون في رعاية الغرب، وحضارات اخرى لا تريد ان تكون في رعاية احد اليوم، بل ان العالم يتطلع الى المشاركة!

من تراخي الحوار الى تفاعل الصدام ان الفرق كبير بين هذا الذي يفّكر به صاحب «صدام الحضارات» وبين اولئك الذين يحملون شعار «حوار الحضارات»®. ولابد للمرء ان يفّكر مليا في مسائل جوهرية تشكّل الفرق بين الحالتين، فالمسألة ليست سياسية، بقدر ما هي فلسفية وفكرية لمجريات تحوّلات عصر كامل يضّم العالم كله سواء بمعايير متكافئة ام بغيرها.

ان اصحاب «حوار الحضارات» سوف لا يصلون الى نتائج حاسمة يمكنها ان تفيدهم، متوهمين اذا ما اعتقدوا ان بامكانهم اقناع غيرهم بفلسفتهم وافكارهم وقيمهم ومقدّساتهم.. خصوصا وان هذا الغير يعيش تسارعا تاريخيا مضاعفا .

ولن يلتفت الى ما سيقوله من لم يفقه لغة هذا العصر ! واستطيع القول بأن العرب والمسلمين لا يمكنهم ان يقنعوا العالم بافكارهم وشعاراتهم وخطوطهم الحمراء .. ناهيكم عن أن الاخر بات لا يرى في مثل هذا الذي انتدب فيه للحوار الا ضياعا للوقت.

مفارقة خطيرة بين عالمين

ان العرب والمسلمين لا يتقبّلون فكر الاخر وثقافاته وفلسفاته وتطلعاته المعنوية والفنية.. ولكنهم يتقبلون منتجاته وصناعاته وكل مخترعاته المادية، والفارق بينهم وبين الاخر، ان الاخر لا يتقّبل الا ما يمتلكونه من مال وموارد وبترول كي يبيعهم منتجاته.. وهنا علينا ان نفّرق بين حوار الحضارات وحوارات اخرى تجري من دون اي نفع ايضا مثل حوار الاديان والعقائد !

وان حوار الحضارات سيسجّل منذ نقطة الصفر تفجيرا سيجعل كل جماعة على طرفي نقيض .. فالغرب ـ مثلا ـ لا يلتقي في حوار الا من خلال فلسفات ومناهج حديثة بعيدا عن الدوغمائية.

وتكاد تغيب عنده الممنوعات والغربيون يفّكرون في الاشياء لا في ما ورائيات الاشياء ويؤمنون بالتجربة والرؤية والبرهان.. يؤمنون بالسؤال والجواب المباشر ولا يعرفون التورية ولا اللف ولا الدوران !

انهم يؤمنون بالمصالح والمقاييس المتغيرة ولا يؤمنون بالمبادئ والثوابت .. انهم يعملون من خلال برامج ولا يعرفون الشعارات.. انهم ينتهجون الحرية في تفكيرهم ولا يكبلون انفسهم بالمحرّمات.. انهم يمنحون انفسهم حق التعبير عما في افكارهم ومشاعرهم من دون كبت.. انهم يجدولون الزمن ولا يضيعون اوقاتهم سدى !

انهم يقرأون ويتابعون ولا يكتفون بالسماع قيل عن قال ! وان الوعي بالاشياء عندهم ضرورة من اجل صنع الرأي او الفكرة.. ولا يمكن ان تقسر او تجبر غيرك على ان يكون نسخة طبق الاصل منك!

هل نستطيع الحياة من دون العالم المعاصر؟

المشكلة ان العالم اليوم كلّه يتقّدم ويتفاعل ويشارك هذا ذاك، ولكن العرب والمسلمين ينهزمون دوما ويتراجعون الى الوراء. ان الامم الاخرى في الشرق والغرب تتفاعل تبادليا وثقافيا.

وتتعلم من تجارب احدها الاخر فالحوارات منفتحة في ما بينها ولا مجال لانغلاق هذا على نفسه ازاء ذاك.. الا العرب والمسلمين يجدهم العالم وقد انغلقوا على انفسهم انغلاقا محكما.

وان لا نصيب لهم يكاد يذكر في المساهمة في الحضارة العالمية المعاصرة.. واعتقد ان السبب يكمن بعدم قناعتهم بالانعكاس الثنائي في التاريخ واعتبار انفسهم قوة مؤّثرة في حين انهم لا يدركون معاني تاريخهم الخصبة.

ولا يفهمون تواريخ الامم الاخرى. ان جدلية المنحازين والمتعّصبين والمغالين والمتطرفين لا يمكنها ان تسّوق كل التباهي والمفاخر في عالم اليوم، فالعالم اليوم لا يريد الا معرفة حقيقتك المنتجة والمبدعة ومدى قدرتك على المشاركة والتفاعل..

انه يستخف بمن يحاوره بغير هذه اللغة ويتنّدر على الاطناب واللغو وانشاء الكلام الذي لا يفضي الى معنى حقيقي.. انه يتساءل: هل باستطاعة هذا العالم ان يعتمد على نفسه في غذائه وملبسه ومعيشته وخدماته؟؟

هل باستطاعته ان يستثمر ثرواته وموارده من دون اي تقنيات يأخذها من هذا او يستلبها من ذاك ؟ هل يمكنه ان يعيش من دون اي استيرادات ؟

هل باستطاعته ان يصلح اوضاعه ويطّور مؤسساته ويحّل مشكلاته من دون هذا العالم المعاصر؟ ان ما نشهده اليوم من احداث وفوضى وتناقضات واتعاب وغوغاء.. ستفاقم من حجم ازماتنا ولا تجد لها اي صدى في العالم أبدا !

ما العمل؟

ان النماذج والامثلة التاريخية لا تعد ولا تحصى على ان العرب والمسلمين بحاجة ماسة الى العقل واستعادة التفكير للخلاص من اندحار حياتهم وانحدار تفكيرهم واساليب عيشهم.. وخلاصهم من شلّ ارادتهم وقدراتهم..

وسوف لن تنفعهم التشدّقات والصراخ والعويل والهوس بالشعارات التي لا نفع فيها ابدا، بل انهم ان بقوا على اوضاعهم هذه فانهم سيخفقون ليس في الحفاظ على وجودهم بل ان الابواب ستغلق بوجوههم فيصمتون صمتا تاريخيا بائسا.. ان كل العالم يكاد يكون في قلب المعادلة الا العرب والمسلمين فهم يرفضون حياة العصر.

ولكنهم لا يقدرون على الحياة من دون منتجاتها في كل مجالات الحياة والصحة والاتصالات والخدمات والسياحة والادوية والمواصلات والاغذية والاجهزة الدقيقة والعلوم.. الخ انهم يرفضون العصر كونهم تربوا على افكار خاطئة ترسخّت في وجدانهم.. وعليهم ان يطرقوا اية ابواب في الاجتهاد واعادة التفكير والتربية والوعي لفتح اية سدود تقف في طريقهم كي يستعيدوا استنارتهم .

ويشاركوا هذا العالم مسيرته اسوة بالامم الاخرى التي لم تفقد اخلاقياتها ولا اديانها ولا مبادئها ولا قيمها ولا عاداتها ولا تقاليدها ! على العرب والمسلمين ان يفقهوا هذا العصر لينادوا بحوار الحضارات.. او يسيروا نحو حتوفهم وهم يعانون من صدام الحضارات.

مؤرخ عراقي