يبدو مؤسفاً أن العالم العربي حتى الآن لم يحدد موقفه بعد من تلك المنازلة حول المسألة النووية بين إيران والغرب، الولايات المتحدة والتي إن دارت رحاها، فسوف تدور على أرضه هو في أغلب الأحيان حيث تشتعل البؤر المتحالفة مع إيران سواء حول الطائفية الشيعية.
أو حول المواقف الاستراتيجية وهي البؤر التي تكاد تشكل هلالا محيطا يمتد من العراق إلى سوريا ولبنان وحتى فلسطين، وجميعها لن تبقى بعيدة عن أي صراع إيراني قادم مع الغرب بل سوف تصبح، والمجتمعات التي تنتمي إليها أوراقا في الصراع، وربما ساحات له ما يفرض على العالم العربي كله ان يصوغ مواقفه من الآن تجاه شتى الاحتمالات.
وندعي هنا بأن الموقف العربي المطلوب لابد وأن يحقق التوازن بين طرفي معادلة إستراتيجية بالغة الحساسية والتعقيد، الأول منهما يؤكد على أن العالم العربي، برغم بعض الحساسيات حول بعض الأمور مع إيران، لا يمكن ولا يجب أن يكون في خانة الغرب خصما من رصيدها.
وأما الثاني فيسعى إلى تجنب الوقوع في أسر أي سياسة إيرانية متشددة أو غير عقلانية تورطه في صراعات عدمية لا معنى لها.
ويستقى الطرف الأول في المعادلة حيثياته من وجود مشترك جغرافي واستراتيجي بل وعقيدي ـ إسلامي يمثل ركيزة للتحالف العربي ـ الإيراني وخاصة في ذلك التوقيت الذي يشهد تحالفا صهيونيا ـ محافظا ضد كليهما.
فإذا كانت إيران مستهدفة لمشروعها النووي الذي يصعب على الولايات المتحدة وإسرائيل التسليم به حتى لا تتهدد استثنائية إسرائيل وتفوقها العسكري على كل دول المنطقة، فإن العالم العربي مستهدف لعملية تطويع كبيرة وشاملة تتجاوز السيطرة على العراق ربع الكتلة العربية.
وفرض سلام الأمر الواقع على الفلسطينيين، إلى محاولة اجتثاث كل رموز وشواهد عصر التحرر العربي من قوى وحركات وأفكار تجسد الفكرة القومية تحت دعاوى كثيرة معلنة، وخفايا خطيرة مضمرة.
فالتحرك ضد هذه التحديات التي يواجهها الطرفان في الوقت نفسه يتوجب تجاوز الحساسيات القائمة، وتكريس التضامن فيما بينهما، بما يمكنهما من الدفاع عن نفسيهما في ظل غياب كامل لطرف استناد دولي يمكن الاستعانة به.
غير أن تحقيق ذلك التضامن يتطلب من الطرفين تجاوز الحساسيات غير المبررة وهي كثيرة، وكذلك بعض المشكلات العالقة، فهذه المشكلات قد تكون أقرب للحل والتسوية حالة وجود إيران ضمن تحالف عربي يواجه تحديات إقليمية ودولية عنيفة تدفع إلى تسوية أي مشكلات بين أعضائه و التي تصير آنذاك أقرب إلى مشكلات داخلية.
وهنا فإننا لا ندعو إلى القفز عليها بل على العكس اعتبارها بمثابة موضوع أولى للتفاوض مع إيران قبل تدشين أي مستوى تضامني بين الجانبين، بل واعتبار تعاونها في حل المشكلة بمثابة شرط أساسي لمثل هذه المتضامنات، ولكنه الشرط غير المانع للحوار معها.
وفى المقابل يستقى الطرف الثاني في المعادلة الاستراتيجية الحاكمة للموقف العربي حيثياته من ضرورات العقلانية السياسية وهو ما يمكن تلبيته بتنسيق الرؤية الإستراتيجية بين الجانبين حتى يعرف كليهما ماذا يدفع، وماذا يجنى ؟
وهنا يمكن عقد صفقة متكافئة بينهما تلتزم من خلالها إيران بتقديم الدعم السياسي والمعنوي للموقف العربي العام والمعتدل من إسرائيل، ولخيار التسوية السلمية بشروطها العادلة دون مزايدة.
والمطالبة بإخلاء المنطقة كلها بما فيها إسرائيل من أسلحة الدمار الشامل وخصوصا الأسلحة النووية، وذلك في مقابل تضامن عربي مع حق إيران في التخصيب النووي، يقوم على صياغة موقف مشترك مؤداة إما ضرورة إخلاء منطقة الشرق الأوسط من الأسلحة النووية وعلى رأسها السلاح النووي الإسرائيلي.
أو التسليم بحق إيران في تخصيب اليورانيوم على أراضيها، والمضي قدما في تطوير قدراتها النووية، بغض النظر عن احتمالات إنتاجها للسلاح النووي، طالما أن إسرائيل تملكه منفردة.
وينبع هذا الموقف العربي من عدة أمور، منها أن القدرة النووية الإيرانية، حتى في حالة امتلاكها للسلاح النووي لا تمثل ادنى خطورة على العالم العربي وبالذات مناطق الاحتكاك مع إيران.
كما أن إيران برغم خطابها السياسي المتشدد تبدو عقلانية بما يكفى لكبح جماح نفسها عن الاستخدام العدمي لهذا السلاح الذي يبرر شرعيته الداخلية، حال امتلاكه فعليا، بالدفاع عن الأمة الإسلامية وعلى رأسها الشعب الفلسطيني. ومنها أيضا أن المنطقة لا يمكن أن تبقى بكاملها حكرا على السلاح النووي الإسرائيلي.
ورهينة له، فإذا كان ذلك يمثل مصلحة إسرائيلية ـ أمريكية، فهو بالقطع لا يمثل مصلحة عربية، ولا شك في أن الخروج من مأزق الإنفراد الإسرائيلى النووى يبقى أمرا غير متصور إلا من خلال طريقين.
أولهما هو تحييده من خلال امتلاك طرف عربي له، وفى ظل تعذر وجود مالك عربي ربما يكون الخيار الإيراني الإقليمي الإسلامي هو البديل الممكن الآن. والثاني هو المطالبة بنزع السلاح النووي الإسرائيلي وإقامة منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل، وهو خيار مثالي لا يمكن لإسرائيل القبول به.
ولا تستطيع الولايات المتحدة إقناعها به إلا في ضوء امتلاك طرف مناوئ له بحيث يكون النزع متبادلا، والمصلحة مشتركة في إخلاء المنطقة منه، وفى تلك الحالة أيضا، وفى ظل غياب القدرة النووية العربية، تمثل إيران هذا الطرف الإقليمي باقتدار.
ربما كانت مشكلة هذا الخيار تكمن في غياب روح المبادرة التي تمكن عالمنا العربي من التمرد على مألوف سياساته، وعلى أنماط تفكيره، وعلى القيود الأمريكية الضاغطة عليه، ما يتطلب قدرا من المخاطرة الاستراتيجية، ولكن متى تقدمت الأمم أو نهضت أو أعملت أرادتها في التاريخ من دون مخاطرة أو حتى مغامرة ؟.
كاتب مصري