لم تختبر حركة حماس في موقع السلطة السياسية والحكم ومسؤولياته، لذا يصعب التعرف موضوعاً على درجة الانحراف المحتملة عن مواثيقها وخطابها التقليدي في المعارضة، بمنهجية المقارنة بين النظرية والتطبيق.

ولأن هذه المعرفة تبدو ملحة ولا تنتظر مرور وقت على حماس في هذا الموقع، فإنه يتعين على المهتمين اللجوء إلى أدوات منهجية أخرى. ومنها التأمل في سوابق تصرفات الأحزاب والقوى الدينية في الحكم، ومقارنة برنامج حماس الانتخابي بما ورد في ميثاقها.

عملاً بهذا التقدير، لنا أن نلاحظ كيف تنتمي هذه الحركة للتنظيمات ذات المرجعية العقيدية الصارمة، غير القابلة للتحولات الفارقة. هذا يثير التصور بأنها ستتخذ سياسات ومواقف أميل إلى الفقه الدوغمائي وأبعد عن المرونة والانعطافات الحادة، وربما حتى البسيطة الثانوية.

فهي إن أشاحت عن مواثيقها وما ينبني عليها من منظورات سياسية واجتماعية وثقافية.. إلخ، ظهرت كمن خان مرجعيته وثوابته. ولا تحتمل حماس، على غرار التنظيمات المماثلة، هذا الوصف.

وبالتالي لا يصح استشراف أن تغامر هذه الحركة أو تبادر بطرح سياسات ومواقف توقعها تحت طائلة الاتهام بخيانة مبادئها وخطابها.. أقله بالشكل الفج أو المتواقح الذي يُراد لها.

لعل هذه الحتمية النظرية أو الفكرة السائدة هي ما يدفع البعض إلى الاعتقاد الجازم بأن حماس ستضع العصي في دواليب نهج التسوية السلمية مع إسرائيل، بمثل ما إنها ستسوق المجتمع الفلسطيني إلى حالة من «الأسلمة» وفقاً لميثاقها التأسيسي.

ولا يخفى أن الأخذ بهذا الاعتقاد لا يدع مجالاً للتفاؤل بشأن مستقبل التسوية. كما ينذر بأن المجتمع الفلسطيني مقبل تحت قيادة حماس على مرحلة من التشدد «الإسلامي» على أكثر من مساق حقوقياً ومدنياً..

لكن هذا الاستشراف الذي يبدو مغالياً قد يتعرض للنقض أو التحفظ بالنظر إلى اعتبارات أخرى. منها إمكانية المقارنة بين خطابي حماس في كل من ميثاقها وبرنامجها الانتخابي.

فهي في البرنامج لم تشر إطلاقاً إلى سعيها لدولة فلسطينية محررة من النهر إلى البحر ولا تحدثت عن تحرير فلسطين كأرض وقف إسلامي، ولا عن تدمير إسرائيل كما يقول الميثاق.

لقد ذكر البرنامج بالتحديد «شعبنا يعيش مرحلة التحرر الوطني، وله الحق في العمل لاسترداد حقوقه وإنهاء الاحتلال باستخدام كافة الوسائل، بما فيها المقاومة المسلحة. وعلينا تسخير كل طاقتنا لدعم صمود شعبنا وتوفير كل الإمكانات لدحر الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس..».

وفي شروح هذا الهدف من لدن زعماء الحركة، وهم يسعون لنفي صفة التناقض بين الميثاق والبرنامج، قيل إن حماس لن تزيل إسرائيل بين يوم وليلة، ولا خلال فترة تطبيق برنامجها الراهن.

وهو لأربع سنوات فقط!. وقد فِهَمَ متابعون كثيرون أن حماس تود، وسوف تحافظ على، نفي تطرفها وأنها تقبل ضمناً بدولة فلسطينية في حدود 1967 وعاصمتها شرقي القدس.

والأرجح أن هذا التفسير صحيح تماماً. وهناك شواهد أخرى رديفة له.. كالحديث عن إقامة دولة فلسطينية على أي جزء يتحرر من فلسطين. والاعتراف الواقعي بإسرائيل تحت شعار «الهدنة الطويلة» الأجل معها.

وتوقيف العمليات الاستشهادية وأشكال المقاومة المسلحة إذا لمست الحركة أنه سيسمح للفلسطينيين العيش بكرامة، فضلاً عن القبول بغمد سلاح المقاومة ـ وليس نزعه ـ تحت عنوان «التهدئة».

كذلك يفهم من هذه الشروح أن حماس سبق لها التعامل المباشر مع مسؤولين إسرائيليين فيما يخص الشؤون البلدية التي تشرف على كثير منها وتديره. وأنه لا مشكلة لديها في التفاوض مع إسرائيل حول قضايا أهم وذات طابع سياسي، إذا ما آنست في ذلك مصلحة فلسطينية عليا، وعبر أطراف ثالثة.

وللذين يتساءلون عن موقف حماس في حال استأنف البعض العمليات المسلحة ضد أهداف إسرائيلية، ترد الحركة بأنها لن تتعامل معهم بأسلوب السلطة في السابق، ولن تجعل هذه القضية سبباً للصدام مع القوى الفلسطينية الأخرى. وهذه إجابة أقرب إلى الغموض.

بمنظور شامل، هناك ما يؤشر إلى أن حماس أميل إلى اشتقاق الصيغ العملية، التي تحسب أنها لا تضعها على سكة التناقض الصريح بين أقوالها وميثاقها وتجنبها مغبة التعارض بين التكتيكات السياسية وبين مراميها الاستراتيجية طويلة الأجل والَنفَس.

كما أنها أميل إلى الأخذ بالمرحلية والتدرج والمرونة المحسوبة، حتى ليمكن الذهاب إلى أنها ستتقاضى أثماناً من إسرائيل جراء كل خطوة على طريق هذه الخصائص.

ولا تظهر حماس إصراراً على الانفراد بإدارة الملف السياسي والقضايا العالقة مع إسرائيل.فقد عرضت صيغة العمل الجبهوي، ومدت يدها إلى فصائل السياسة الفلسطينية وخصت فتح بهذا النداء.

وهذا يفترض أنها تسعى إلى تغطية عجز خبرتها التفاوضية وربما عدم اطلاعها على كثير من خفايا هذا الملف، لكنه يفترض أيضاً إبداءها حسن النيات والرغبة في توسيع نطاق المسؤولية الوطنية، إعمالاً لتوجهها التقليدي نحو الشراكة مع ألوان الطيف السياسي الفلسطيني، بما يعزز الجانب الفلسطيني في مواجهة إسرائيل.

والأرجح أن فتح لن تستجيب لهذا الطرح. لكن حماس قد تجد من أوساط فتح والقريبين منها من يتعاون معها على هذا المضمار.

وثمة احتمال أن يلوذ الطرفان فتح وحماس بعباءة منظمة التحرير الفلسطينية، التي ستوفر لحماس فرصة إغناء الخبرة وتوفر لفتح فرصة استمرارية التأثير في مسار التسوية.. وليس صحيحاً أن تمايز برنامجي فتح وحماس.

وبخاصة حول الأهداف المنظورة (القريبة الأجل) على هذا المسار، هو من الاتساع والعمق بحيث يعز التوافق على نقاط التقاء. وقد يكون استذكار التجربة الإسرائيلية حول حكومات الوحدة الوطنية مناسباً لمقام الحالة الفلسطينية.

من المدهش في كل حال أن برنامج حماس الانتخابي تضمن تركيزاً شديداً على قضايا الإصلاح الداخلي وكان ضنيناً فيما يخص قضايا الصراع والتسوية مع إسرائيل.

هذا مؤشر معقول على أن حماس لم تكن تتوقع مغالبة فتح إلى درجة التفوق عليها انتخابياً، وهو مؤشر في الوقت ذاته على حجم الإجابات المطلوبة من هذه الحركة بما يكفي لإشباع فضول الباحثين عن أجندتها السياسية الخارجية.

والحق أن حماس ليست اللاعب الوحيد ولا لعبتها هي الوحيدة في المدينة. وإذا كان من الصعب أن تطأطئ حماس للشروط الإسرائيلية، فإنه من الصعب بالقدر ذاته تصور تخلي إسرائيل عن هذه الشروط. هذا يعني أن التسوية ستعاني من بيات طويل.

كاتب وأكاديمي فلسطيني