في أحد أيام شهر نوفمبر 2003 استجوب الضابط الأميركي لويس ويلشوفر اللواء عبد حامد مهاوش في أحد المعتقلات التي أقامها الاحتلال في العراق قرب الحدود السورية. خلال الاستجواب والتحقيق، قام الضابط الأميركي بتغطية رأس اللواء بكيس بلاستيك، ثم جلس على صدره حتى فارق الحياة. الضابط الأميركي طبقاً لمحاميه العسكري الأميركي أيضاً كان يعلم أن اللواء مهاوش يعاني من مرض في القلب.

الجديد في الأمر أن محكمة عسكرية أميركية في دنفر حكمت مساء يوم الاثنين قبل الماضي على الضابط حكماً شديد القسوة نظراً لضخامة جرمه. الحكم هو توبيخه والبقاء في ثكنته العسكرية ستين يوماً ودفع غرامة قيمتها ستة آلاف دولار، كما اتهمت المحكمة المكونة من ستة أفراد الضابط بالإهمال، لكنها برأته من تهمة القتل العمد التي كانت ستعرضه للسجن المؤبد.

خصوصاً بعد أن أخبر محامي الضابط المحكمة ان موكله حصل على موافقة رؤسائه لإجراء هذا الاستجواب مع اللواء العراقي الذي يعتقد الجيش الأميركي أنه كان مستشاراً قريباً من صدام حسين وأنه أحد زعماء المقاومة المسلحة في العراق أو «التمرد» طبقاً للمسمى الأميركي.

بعد أن قرأت هذا الخبر الذي نقلته وكالة الأنباء الفرنسية مؤخراً لم أصدق الأمر، وظللت أقرأه مرات ومرات، حتى تيقنت من صحته بعد أن نقلته وسائل إعلام متنوعة.

بالطبع، فالقتل في العراق صار أشبه ما يكون بتناول الماء أو تنفس الهواء في ظل «نموذج الديمقراطية الأميركية» الذي يراد له ان يشع في كل المنطقة، بالطبع أيضاً، فالأرقام تتحدث عن مقتل أكثر 100 ألف عراقي منذ بدء تطبيق هذا «النموذج المشع» من الديمقراطية عقب سقوط بغداد في أبريل 2003، وبالطبع ثالثاً، فإننا حتى العرب والمسلمين صرنا نتعامل مع المجزرة اليومية في العراق باعتبارها مجرد أرقام لا تعني شيئاً.

اللواء العراقي مهاوش الذي قتل لا يختلف كثيراً عن آلاف العراقيين الذين دفعوا حياتهم ثمناً لنزوة إمبراطورية مجنونة، لكن مشكلة هؤلاء أن موتهم مرَّ سهواً، ولأن مهاوش كان برتبة لواء وقريبا من صدام فقد اهتم به الإعلام.

ما يحير في هذه الجريمة هو كيف تصر الولايات المتحدة على تعليمنا ووعظنا ومطالبتنا كل يوم بضرورة تطبيق الديمقراطية، وأي ديمقراطية تريدنا ان نطبقها؟، هل هي النموذج الموجود في غوانتانامو أم أبو غريب أم بوكر أم في السجون السرية في أوروبا؟

وبأي وجه تجرؤ الإدارة الأميركية على مطاردة حكومات ومطالبتها بالتحقيق في انتهاكات حقوق إنسان وهي كما أعلنت منظمة العفو الدولية منذ أيام تمارس النفاق العلني في مسألة حقوق الإنسان حينما تطالب الآخرين بتطبيق ما لا تطبقه هي؟ كيف لضمير محكمة أن تكتفي بتوبيخ جندي او ضابط أزهق روحاً بشرية بغض النظر عن مدى الجرائم التي قد يكون القتيل قد ارتكبها حتى ضد شعبه؟

بعد كل هذا الذي يحدث نصيحتي المخلصة لكل اولئك العاملين في إدارة العلاقات العامة الأميركية والسيدة كارين هيوز وفريقها الذي يسعى ليل نهار لتجميل وجه أميركا في المنطقة هي أن يتوقفوا فوراً عن مهمتهم، لأنها خاسرة (مليون في المئة)، وكل ما ينفقونه من مال وجولات وبرامج دعاية سيذهب أدراج الرياح، لأنه في ظل هذه الممارسات فإن الولايات المتحدة ليست في حاجة إلى عدو.. يكفيها فقط ممارسة بعض سياسييها وعسكرييها، يكفيها فقط صورة من فظائع أبو غريب وغوانتامو وخبراً عن توبيخ ضابط لقتله لواء عراقياً كي تكفر جميع شعوب المنطقة والعالم أجمع «بديمقراطية الجلوس على الصدر حتى الموت»!

emadiraqi@yahoo.com