لعل من علامات رقي الإنسان وتحضره احترامه للآخرين ولمعتقداتهم ولدياناتهم، وابتعاده عن الإساءة إليهم في مثل هذه الجوانب. وما الموقف الأخير الذي صدر ويصدر من غالبية المسلمين هذه الأيام بشأن ردة فعلهم تجاه بعض التجاوزات التي ظهرت في بعض الصحف الغربية وأساءت إلى شخص النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ومن ثم دعوة هؤلاء الناس في أن تحترم ديانتهم ومعتقداتهم، إلا تعبير عن مثل هذه الرغبة وهذا الحق. فالذي يتابع وسائل الإعلام ومواقف الناس هذه الأيام يرى تجلي مثل هذا الموقف بشكل واضح لدى الغالبية منهم، وحتى بعض الجهات الرسمية والمنظمات والدول، جميعهم متفق على أن الإساءة للمسلمين ولمعتقداتهم فعل يجب التصدي له وعدم السكوت عليه بكافة الأشكال والوسائل.
وقد ظهرت دعوات عديدة ومواقف مختلفة كان أهمها دعوة الناس وقيامهم بالمقاطعة التجارية للبضائع المصدرة من تلك الدول، وبخاصة هولندا والدانمارك. سلاح المقاطعة بلا شك سلاح فعال في الكثير من الصراعات التي حكمت وتحكم العالم. ونحن هنا نتذكر أنه أهم سلاح دعي لاستخدامه، من بين من دعوا له، القائد الهندي مهاتما غاندي حينما دعا شعبه إلى مقاطعة البضائع الانجليزية حتى يرغم بريطانيا على التخلي عن إذلال الشعب الهندي والتخلي عن استعمارها للهند.
ولقد كانت دعوة غاندي في تلك الأيام متركزه على مبدأ أن العلاقة مع بريطانيا ستضعف في حال أشعرهم الشعب الهندي أنه يستطيع الحياة من دون الاعتماد على منتجاتهم. وبغض النظر عن مسألة أن بريطانيا كان من الأفضل لها أن تختار أو أن تدفع باتجاه أن يصبح غاندي زعيما، لأنه كان ذا طبيعة أقل حدية من مواقف مناضلين هنود آخرين، إلا أن دعوة غاندي تلك نجحت وشكلت علامة مميزة في تاريخ نضال الشعوب ضد القوى التي تحاول الهيمنة عليها واستعبادها. وأصبح سلاح المقاطعة فيما بعد سلاحاً مهماً تستعمله الشعوب والفئات المطالبة بأن تحترم حقوقها ومواقفها. ولاشك أن موقف المسلمين الأخير يصب في هذا الاتجاه.
إن التجاوز الذي حدث من بعض الصحف في الدانمارك وهولندا والمتعلق بالأساءة للإسلام ولشخص نبيه الكريم كان يستدعي أن يقف المسلمون هذه الوقفة تجاه الدعوة باحترام معتقداتهم ودينهم، والمطالبة بأن تغير الجهات التي أساءت للإسلام في تلك الدول من مواقفها وتعتذر رسميا عنها. وقد صدر شييء من هذا القبيل. وإن كان الشخص نفسه، وهو هنا رسام كاريكاتير، لم يصدر عنه ما ينم عن أنه يشعر بأنه قد أساء للإسلام أو تعدى عليه.
والذي يتابع مواقف الدول الأوروبية تجاه التطاول مثلا، أو حتى الحديث حول بعض الأمور المتعلقة بتاريخ اليهود أو ممارساتهم، وردات الفعل التي تحدث تجاه هذه المواقف والتي تصل أحيانا إلى محاكمة المتحدثين حول مثل هذه المواضيع، يعرف مقدار ما تمارسه أوروبا من حماية لحقوق اليهود والذود عن معتقداتهم. لكن مثل هذه المواقف لا تصدر تجاه الإسلام أو المسلمين. والأمر يعود بالدرجة الأولى إلى الجهود التي بذلها اليهود، وبأشكال ووسائل مختلفة، حتى أوصلوا أوروبا إلى تبني مثل هذه المواقف، ونحن هنا لسنا بصدد الحديث عن أوروبا واليهود، (الذي يريد أن يبحث في مثل هذا الأمر عليه أن يتجه لقراءة الكتب والمقالات القيمة التي كتبها المفكر المصري الكبير الدكتور عبدالوهاب المسيري فهو أثرى المكتبة العربية والإنسانية بأبحاث رائعة حول هذا الموضوع)، الذي يهمنا هنا هو الموقف الغيور الأخير للمسلمين تجاه تعرضهم للإساءة من قبل بعض الصحف الأوروبية. وهذا الموقف يستدعي في اعتقادي أن نثمنه أولا، لأنه موقف يشعرنا أن المسلمين يشعرون بالأذى في حال تعرض دينهم للإساءة أو التجريح ويتخذون المواقف للذود عنه، لكنه أيضا موقف يستدعي منا أن نفكر فيه بشكل عميق ونبحث في دلالاته وأبعاده.
إن شعور الإنسان بالأذى في حال تعرضت معتقداته للإساءة من قبل الآخرين شعور نبيل وجدير بالاحترام،فكما قلنا في البداية، إن احترام حقوق ومعتقدات الآخرين حق وواجب على كل إنسان متحضر ويراعي شروط الحياة الكريمة لنفسه وللناس، لكن الذي يحتاج منا التفكر هو سؤال البحث في نوعية الأذى الذي يدفع بالإنسان أحيانا إلى اتخاذ المواقف، ولماذا تختلف مواقف الإنسان أحيانا تجاه الأفعال التي تسيء إليه فيتصدى لها أحيانا، وبقوة، وأحيانا يمر عليها مرور الكرام فلا يعيرها كثير أهمية.
الذي قصدته هنا هو أن موقف المسلمين الأخير تجاه بعض الدول الأوروبية التي بدر من بعض أفرادها الإساءة للإسلام ولنبي الإسلام موقف يحتاج أن نناقشه من منطلق السؤال حول لماذا لا نتخذ نفس المواقف تجاه الدول والأشخاص التي لا تسيء للإسلام فقط وإنما تسعى لتبديده واجتثاثه؟
نحن ننتقد بعض دول العالم أحيانا لأن لها مواقف تعبر عن ازدواجية في التعامل مع حقوق الآخرين والحفاظ عليها، لكننا نحن أيضا نعاني من الازدواجية والمواقف المتذبذبة وغير الواضحة تجاه الدفاع عن حقوقنا ووجودنا نحن. فالحقيقة أن هولندا والدانمارك لم تسعيا إلى اجتثاث وجودنا مثلما سعت وتسعى إليه دول أخرى، ولم تطالب تلك الدول بتغيير مناهجنا والتخلي عن بعض مسلماتنا، أو تسعى إلى إذابة لغتنا حتى تصبح أجيالنا القادمة بعيدة كل البعد عن معتقداتها، بل على العكس من ذلك، فمن المعروف أن هذه الدول من أكثر الدول التي تحترم حقوق الإنسان، فلماذا وقفنا منها هي فقط هذا الموقف ولم نطبقه بنفس القدر على الدول التي تدمر ديننا ومدننا وإنساننا وتاريخنا، وحتى تراثنا وفنوننا، سواء من خلال مواقفها العسكرية أو من خلال منتجاتها الفنية والفكرية.
أنا لا أقصد هنا أن أقول بأنه كان يجب عدم التصدي لمواقف الأشخاص الذين أساؤوا إلى ديننا في بعض الدول الأوروبية، الذي قصدته هو أنه يجب أن تكون هذه مواقفنا تجاه الجميع. ولا ننسى أن الإنسان الضعيف لا يحترم في الأوساط التي لا تعترف إلا بالقوة. ثم ان الحقيقة هي أن دفاعنا عن الإسلام مربوط بدفاعنا عن وجودنا واحترام هذا الوجود، ويجب أن ننظر إليه دائما من هذه الزاوية، حتى لا يصيبنا الفناء.
جامعة الإمارات