أنشئ حلف شمال الأطلسي (الناتو)، في الرابع عشر، من أبريل، عام 1949، من دول أوروبية عدة، إضافة إلى الولايات المتحدة وكندا. وقد تحملت الولايات المتحدة، ومنذ إنشائه، معظم الأعباء المالية التي تتعلق بالتسليح.

إضافة إلى أن جنودها، كانوا الكتلة البشرية الأكبر فيه. وقد أنشئ هذا الحلف، استجابة لمخاوف دول أوروبا الغربية، من توسع المعسكر الاشتراكي باتجاهها.

وقد انضمت إلى هذا الحلف، دولً أخرى خلال فترة الحرب الباردة. لقد انتهت الحرب الباردة، منذ ما يزيد على الخمس عشرة سنة، وانهار حلف وارسو المضاد لحلف الأطلسي، وتفكك المعسكر الاشتراكي، وتفكك الاتحاد السوفييتي، فما هو الداعي، لبقاء هذا الحلف ؟

.يشير تقرير وزارة الدفاع الأميركية، حول خطتها الدفاعية الخمسية، للأعوام 1994 - 1999 إلى ضرورة قيام الوزارة، باتخاذ ما يلزم، لمنع نشوء نظام أمني خاص، بالقارة الأوروبية فقط، لأن ذلك يضعف كثيراً من دور حلف الأطلسي الذي تتولى الولايات المتحدة قيادته. لذلك فإن من الضروري الاحتفاظ بهذا الحلف، كأداة رئيسية للدفاعات الأمنية الأوروبية.

وفي الوقت نفسه، كقناة تستطيع الولايات المتحدة من خلالها أن تلعب دوراً في الأمن الأوروبي.في ضوء ذلك، دخل الحلف، في طور جديد، وهو التوسع نحو الشرق، مما يعني، بأن دولاً أخرى، ستسلح نفسها، وفق معايير تسلح هذا الحلف، بحجة الحفاظ على الأمن.

وهذا التوجه يصب بالطبع، في صالح شركات صناعة السلاح الأميركية منها بشكل خاص.إن توسع الناتو في القارة الأوروبية له في الحقيقة، أكثر من دلالة، فهو في الوقت الذي يعني، زيادة مسؤوليات الولايات المتحدة في أوروبا، يعني كذلك تعزيز دورها القيادي فيها. إضافة إلى أن هذا التوسع، يهدف إلى إضعاف فرص النهوض لروسيا.

وهي استراتيجية، ليس لها ما يبررها، كما كان الحال، زمن الاتحاد السوفييتي السابق إذ لم تعد روسيا خصماً عقائدياً يهدد وجود النظام الرأسمالي العالمي. السؤال الذي يطرح نفسه، هو هل حصلت كل من الولايات المتحدة وأوروبا على ما يريدانه من الناتو خلال الأزمات التي أعقبت انهيار المعسكر الاشتراكي؟.

إذ يبدو أن الأميركيين محبطون، حيث إن الناتو لم يقم، بأي دور فيما يتعلق بشن الحرب على العراق. فقد كان موقفه هو تبني ما يجمع عليه أعضاء الحلف والذي تبين فيما بعد، بأنه لا يتعدى تدريب بعض القوات الأمنية العراقية، وهو من الناحية العملية، ليس بالشيء الذي يذكر.

مما حدا بوزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد، إلى التعبير عن خيبة أمله في شركائه في الحلف، فقام بتقسيم أوروبا، إلى قديمة وحديثة، فالقديمة هي من وقفت دولها معارضة لفكرة شن الحرب على العراق، والحديثة هي من اصطفت دولها مع الموقف الأميركي.

كانت الاستجابات الأوروبية الضعيفة، للأحداث التي رافقت انهيار المعسكر الاشتراكي وتفكك الإتحاد السوفييتي، ثم تفكك الإتحاد اليوغسلافي مدعاة للتفكير بضرورة وجود أداة أوروبية، للتعامل مع أحداث كبيرة من هذا النوع.

فقد اضطرت أوروبا للعمل تحت قيادة الولايات المتحدة من خلال حلف الناتو لمعالجة التداعيات الناجمة عن تفكك الإتحاد اليوغسلافي، حيث شهدت الساحة الأوروبية، تدخلاً عسكرياً مكثفاً للناتو في البوسنة والهرسك أولاً، ثم في كوسوفو لاحقاً.

شعر الأوروبيون، بعد هذه الأحداث، بالحاجة إلى وجود سياسة، وإلى توافر أداة لمنع أو احتواء أو حل المشكلات التي تنشأ في قارتهم. ولعل أموراً أبسط من ذلك بكثير، قد أقنعتهم بمدى ضعفهم.

فعندما حدثت مشكلة بين إسبانيا والمغرب حول السيادة على إحدى الجزر الصغيرة القريبة من الساحل المغربي، وهي جزيرة ليلى لم يستطع الإتحاد الأوروبي، أن يقدم حلاً للمشكلة، وعمدت الولايات المتحدة، إلى التدخل لفرض موقفها.

إلا أنه، وبعد استقرار الأوضاع السياسية في أوروبا عاد التساؤل، من جديد، عن جدوى وجود هذا الحلف، فقد بادر المستشار الألماني السابق غيرهارد شرودر في فبراير 2005، بالقول في كلمة، قرأت نيابة عنه، فقد كان مصاباً بالزكام، بأن حلف الناتو، قد أصبح عتيقا.

وهو بحاجة إلى إعادة النظر فيه، وأضاف بأن الناتو، لم يعد المسرح المناسب، الذي يناقش فيه الشركاء، عبر الأطلسي، استراتياجتهم.

يجمع المحللون السياسيون، المتابعون للأحداث، عن كثب، بأن الناتو، لم يعد فعلاً، المحفل المناسب، لمناقشة التقارب والتباعد، في المواقف، بين الشركاء، عبر الأطلسي، في القضايا الساخنة في الوقت الحاضر، ومنها الموقف من سوريا، والموقف من الملف النووي الإيراني، والموقف من القرار الأوروبي، بإلغاء حظر مبيعات السلاح إلى الصين.

فليس في لوائح هذا الحلف، ولا في آليات عمله، ولا في شرعية وجوده، ما يُمكنه من معالجة، ملفات من هذا النوع، مقارنة بما لدى، الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومجلس الأمن الدولي، والمنظمات الأخرى، المنبثقة عن الأمم المتحدة، من قدرات وآليات، وشرعية في التعامل.

لقد فشلت الولايات المتحدة، على مدى السنوات الماضية، في إقناع شركائها الأوروبيين في الحلف بتحديث معداتهم العسكرية، التي أصبحت، وراء نظيرتها الأميركية، بمقدار جيلين، وغالباً ما يعزى ذلك إلى رغبة الأوروبيين، في عدم الاعتماد على التسلح الأميركي، وعلى إبقاء مؤسساتهم العسكرية مستقلة عن المنظومة التسليح الأميركية.

وفي ضوء ذلك، فإن هذا الموقف الأوروبي، لا بد أن يؤدي، في نهاية المطاف إلى بناء نظام أمني دفاعي، خاص بأوروبا. وهذا بالضبط، ما يخشاه الأميركان.

وهو أن يتمكن الأوروبيون، من تطوير أسلحة، قادرة على العمل، من الناحية التقنية، خارج منظومات الحلف، ومستقلة عنها تقنياً، والتي قد تدخل منافسة للسلاح الأميركي.

لا شك بأن على أوروبا، أن تتحمل مسؤولياتها، في مجال الأمن العالمي، والأمن الأوروبي، خاصة في المناطق المتاخمة لجنوب القارة الأوروبية. إلا أن تحمل هذه المسؤولية، لا يحتم عليها، أن تعمد فوراً، إلى زيادة النفقات العسكرية، وإلى شراء المعدات العسكرية المتطورة، من الولايات المتحدة.

فالإلحاح الأميركي المستمر هو تجاهل للخيارات الأوروبية الأساسية، في الأمن والدفاع عن قارتهم، وتجاهل كذلك، للاتجاه السلمي الدبلوماسي، الذي بدأ يبرز، في الساحة السياسية الأوروبية كبديل للهراوة العسكرية الغليظة، التي تمتشقها الولايات المتحدة.

وإذا اختار الأوروبيون، التخلي عن صورتهم كقزم عسكري، يتحاشى الصرف، في المجالات العسكرية، ويعمل على إيقاف التفرد الأميركي، ويتصدى للمخاطر الأمنية، فإن من الأفضل، للإتحاد الأوروبي، أن يعمل، على خلق قدرات تدخل، ذات طابع دبلوماسي متميز، لحل الأزمات في العالم.

majamal@emirates.net.ae

كاتب عراقي