على امتداد عام كامل، وبالتحديد بين ربيع عامي 2004 و2005 توالت الاجتماعات والحوارات بين فريق مؤلف من 19 مفكرا وعالما وأكاديميا من غرب أوروبا والولايات المتحدة.
. وقد انضم إليهم أستاذ من تشيكيا وأستاذ آخر من تركيا.. عقدت هذه الفعاليات الفكرية والبحثية تحت لافتة عريضة تقول عباراتها بما يلي:« نحو مسيرة للديمقراطية من خلال التنمية البشرية في منطقة الشرق الأوسط الكبير».ومن خلال تحليل هذه العبارة يمكن أن نخلص إلى نتائج محددة وموجزة أيضا تقول:
إن أهل الغرب ـ بالتحديد عقلاء الغرب في أوروبا وفي أميركا ـ يرون أن سلامتهم وسلامهم أو فلنقل إن وقايتهم من غائلة الإرهاب على اختلاف مصادره وتنوع أشكاله لا يحققها السلاح.
ولا تجسدها الدبابات أو قصف المدافع بقدر ما أن الأهم هو التوجه نحو الإنسان من أجل تشخيص معاناته وحل مشاكله والأخذ بيده إلى حيث طريق التنمية والعدل ولو بالخطو بضعة أشواط على بداية هذا الطريق.
أن الغرب مازال ينظر إلى منطقة الشرق الأوسط على أنها تشكل واحدا من حقول الإرهاب أو حلبة لاحتدام الصراعات أو منبعا للعنف الفردي والجماعي على السواء.
إن هذه النظرة الأورو ـ أميركية تتعامل مع خريطة المنطقة لا من حيث اقتصارها على العالم الناطق بالعربية وحسب، فضلا عن أن ثمة كيانا عنصريا إمبرياليا يستوطن منطقة القلب منه.
ويتمثل في إسرائيل، بل إن منظور الغرب لا تلبث تنداح دوائره لتضم ما أصبح يسمى بمصطلحات اللحظة الراهنة باسم «الشرق الأوسط الكبير» بمعنى أن يضم تركيا من الشمال ويصل إلى إيران في الشرق وربما يتواصل إلى حيث الحدود والتخوم عند باكستان أو حتى أفغانستان.
أما آخر ما نلاحظه في هذا السياق فهو أن أميركا ـ بكل قدراتها حتى لا نقول جبروتها - تكاد تسلّم بأن ليس بوسعها أن تعالج بمفردها كل القضايا الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط في إطارها الأعرض والأوسع (تأمل مثلا فداحة مشاكل واشنطن في ساحة العراق، وتابع أيضا دعوات واشنطن المتكررة إلى نهج جماعي يضمها مع الترويكا الأوروبية للتعامل مع إيران).
والحاصل أن ملاحظتنا هذه الأخيرة تكاد تجد ترجمة دقيقة لمفهومها ودلالتها في الوثيقة فائقة الأهمية التي خلص إليها فريق التسعة عشر أستاذا ومفكرا وشغفت بها أوساط المشتغلين بالتحليل السياسي منذ نشرها في صيف عام 2005 وقد حملت العنوان التالي:
أوراق اسطنبول: الديمقراطية والتنمية البشرية في الشرق الأوسط الكبير: استراتيجية للشراكة عبر المحيط الأطلسي.
وقد حملت الوثيقة اسم ورقة أو أوراق اسطنبول أولا باعتبار أن تم إنجازها تحت إشراف مؤسستين إحداهما مؤسسة مارشال الألمانية والأخرى هي المؤسسة التركية للدراسات الاقتصادية والاجتماعية (تيسيف) .
ومقرها اسطنبول، فضلا عن مشاركة أستاذ تركي بارز ضمن فريق البحث هو البروفيسور منصور أكغون المدير الحالي لبرنامج السياسة الخارجية بالمؤسسة التركية السالفة الذكر.
ولعل أول ما يسترعي القارئ الواعي ـ ناهيك بالمحلل السياسي ـ عن مطالعة ورقة ـ وثيقة اسطنبول هو دعوتها إلى تجاوز الخطوط والمسارات التقليدية للعلاقات بين الغرب الأطلسي (أميركا بالذات) وبين شعوب الشرق الأوسط: تركز الدعوة في هذا السياق على تجاوز حكاية التعاون التجاري أو المساعدات الاقتصادية..
وتدعو إلى استشراف آفاق أوسع وأساليب أكثر ابتكارا منها مثلا - ويا للغرابة - زيادة الدعوات الموجهة إلى رؤساء دول المنطقة وكبار قادتها لزيارة عواصم الشراكة الغربية الأطلسية بكل ما يحف بهم وقتها من مظاهر التكريم أو الحفاوة أو هالات الدعاية وأضواء الإعلام.
وإذا كانت حكاية الزيارات تمثل أمرا جانبيا محدود القيمة كما نراها إلا أن الأهم هو دعوة وثيقة اسطنبول إلى التعبير عن مظاهر التضامن (التآزر والدعم والإشادة والتأييد.. الخ) مع من ينصّبون أنفسهم في الشرق الأوسط الكبير دعاة لحقوق الإنسان والديمقراطية.. ولكن ومن باب الواقعية السياسية، تضيف ورقة اسطنبول قائلة:
- وإذا ما اقتضى الأمر أن يتواصل الغرب في بعض الأحيان مع النظم الأوتوقراطية في الشرق الأوسط، فإن عليه في الوقت نفسه أن يزيد من مؤازرته الأدبية (المعنوية) والسياسية، لهؤلاء النشطاء من أجل الديمقراطية.
في هذا السياق نفسه يتطرق دعاة الشراكة الأطلسية إلى منظومة المجتمع المدني في بلادنا بكل ما تضمه من مؤسسات وجماعات ومنظمات وفئات التي تصفها الشراكة الغربية بأنها تؤدي دور الحاضن بالنسبة إلى تعزيز الديمقراطية.
ودعم التنمية البشرية (ونظن أن السياق هنا ينطبق إلى حد كبير على المجتمع العربي أو الإسلامي بالذات فمن المستبعد في تصورنا أن ينصرف هذا الحديث مثلا على منظمات المجتمع المدني في .. إسرائيل).
ويلفت النظر أن أهل الشراكة الغربية هؤلاء يؤكدون على أن من واجب الغرب أن يساعد على تمكين قوى الاعتدال الديمقراطية في تلك المجتمعات (العربية ـ الإسلامية) من خلال تصعيد مؤازرة الغرب للمنظمات غير الحكومية العاملة والناشطة على صعيدنا المحلي بحيث لا يسمح لحكومات المنطقة ودوائرها الرسمية أن تعوق تدفق المساعدات المقدمة إلى تلك المنظمات الأهلية.
أو إلى المؤسسات الفكرية غير الحكومية أو إلى سائر العناصر الأخرى ممن يؤيدون أنشطة دعم الديمقراطية (ورقة اسطنبول.. التوصية الخامسة من البند أولا المعنون: دعم الديمقراطية والتنمية البشرية من داخل الشرق الأوسط الكبير).
إن القوم خارج حدودنا معنيون بقضايانا وهم يعكفون على تشخيص أبعادها وصياغة مواقفهم إزاءها من منظور مصالحهم الوطنية التي قد تضيق إلى حيث تقتصر مثلا على معدلات استهلاك هذا البلد .
أو ذاك في منطقتهم من النفط ولكنها بالقطع تتسع إلى حيث تشمل إعادة رسم خارطة القوى وعناصر النفوذ وربما أشكال السلطة وأساليب الحكم في منطقتنا بكل ما تتسم به من أهمية شديدة الحساسية بالنسبة لمجريات الأمور في عالمنا.
نبادر فنقول إن هذا العكوف من جانبهم أمر طبيعي ومهم ومشروع بحكم ما يتوخونه من مصالح. بيد أننا كذلك نتدارس ما يصدر عنهم من طروحات ومقولات ودعوات.
وبلورة آرائنا إزاءها فضلا عن الدخول في حوارات موضوعية معهم لمناقشتها ليس مجرد أمر طبيعي أو مشروع وحسب، بل أيضا واجب حيوي تفرضه مسؤوليتنا إزاء الشعوب التي ننتمي إليها.. وإزاء سلامة هذه الشعوب ومستقبلها.
كاتب سياسي مصري