عناوين الصفحات الاقتصادية المحلية في الإمارات، هذه الأيام، لا تغادر منطقة اليأس والحيرة، تماماً كنظرات المستثمرين الزائغة في قاعات التداول في أسواق الإمارات المالية، وكلهجة المحللين الاقتصاديين والماليين الذين يطلعون علينا من خلال الشاشات وأعمدة الصحف، فالكل حائر ومتخبط، والكل يتساءل عن الذي حدث للسوق المالي الذي كان قبل عدة أشهر الدجاجة التي تبيض ذهباً كل دقيقة. لماذا انهار السوق؟ لماذا انخفضت كل الأسعار والمؤشرات وبهذا الشكل الدراماتيكي؟

لا أدعي علماً بأحوال السوق وأسراره ومعادلاته العويصة، فمنذ صغري وأنا أكره مادة الحساب والرياضيات، لكنني أقرأ وأسأل وأسمع وأتابع بشكل جيد، ولديًّ ثلاثة أو أربعة أسباب رئيسية لتدني أداء السوق، أولها انعدام الثقافة البنكية والاستثمارية لدى أغلب المترددين على أسواق المال، والذين يشترون ويبيعون إما على أساس التقليد أو بعقلية القطيع، خاصة إذا كان رأس القطيع أحد مديري المحافظ الكبيرة أو أحد «الهوامير» الكبار، فإذا اشترى اشترت البقية، وإذا باع باعوا وهكذا، من دون أن ينتبهوا إلى أن « الهامور» يربح دائماً، وهم يخسرون دائماً لصالحه، طبعاً!

السبب الثاني يرجعه البعض ـ واتفق معهم، إلى ما صار شائعاً في إعلامنا المحلي وهو المحللون الماليون، الذين يوجهون خيارات المستثمر بشكل أو بآخر، فهم ضمناً يشيرون من خلال كلامهم إلى أوامر شراء أو أوامر بيع، حين يقولون إن السوق مقبل على تصحيح سعري، أو إن الشركات مقبلة على فترة افصاح عن أرباحها، أو ان إدارات السوق في الإمارات مقبلة على ترتيبات معينة، أو إن هذا الوقت وقت شراء لانخفاض الأسعار أو... الخ.

إن سلبية وجود هؤلاء ترجع إلى تفاوت واختلاف التحليلات، ما يدل أولاً على عدم فهم عميق وصحيح لمفاعيل السوق وحركة الأسهم، وما يولد في المقابل المزيد من الشائعات بعد كل تحليل يدلي به البعض، وتذكروا معي أنه منذ شهرين، مثلاً، حين انخفضت الأسعار قيل للمستثمرين إن السبب يعود إلى موسم الصيام، ثم عادوا فقالوا إن السبب يرجع إلى التصحيح السعري للأسهم، بعدها أشاروا إلى أن السبب يعود إلى انتظار الشركات للافصاح عن أرباحها، ومن ثم سترتفع الأسعار تلقائياً، وحين لم يحدث الارتفاع، قالوا إن السبب يعود إلى قوانين السوق التي التزمت إدارات الشركات بعدم الافصاح إلا بعد اعتمادها من قبل إدارة السوق المالي، وهكذا.

لكن السؤال ظل عالقاً من دون اجابة، وفي ظل انعدام المعلومة الصحيحة أو التحليل السليم، لابد أن تنتشر الشائعات، ويتخبط الناس في أفعالهم وردود أفعالهم، فكان ان بدأ الخوف يدب في قلوب صغار المستثمرين، وبدأ البيع بالخسارة نتيجة البيع بالأجل أو على المكشوف، وهذه أول الخطايا التي ترتكب في السوق من دون أن تجد إدارات السوق حلاً وقائياً ضد هذا التجاوز الذي قاد أسواقاً خليجية للانهيار، كما حدث في أزمة سوق المناخ بالكويت!

sultan@dmi.gov.ae