إن إخفاق «حوار الحضارات» يجعلنا جميعاً نقف مع الاسيسكو في مشروعها من اجل قرار يحّرم الإساءة للأديان والعقائد والمشاعر الإنسانية .. لم يعد زمننا يتقّبل أي اهانة توّجه إلى عقائد المجتمعات وثقافاتها، بل وحتى عاداتها وتقاليدها ..
فكيف بأهم رمز له قداسته وتجّليه وخلوده ؟ لم يعد العالم يتبادل الكراهية والأحقاد التي يعّبر عنها بوسائل معاصرة وبحجج واهية لا يمكن قبولها أبدا .
ان العرب والمسلمين في مشارق الدنيا ومغاربها لهم اعتزازهم ومحبتهم لرسولهم الأعظم محمد (عليه الصلاة والسلام)، ومهما بلغ العداء له من قبل هذه الثقافة أو تلك، فإن اسمه وسيرته.
وقداسته محل اعتزاز الملايين من البشر على امتداد أكثر من ألف وأربعمئة سنة وما سيأتي من الأيام والسنين.. فهل من المنطق ان يغدو مجالا للتهكم والسخرية بمثل الذي جرى في الدنمارك؟
لقد اثارت المشكلة الدنماركية بهذه «الصناعة الكريهة» لاثارة الكراهية والمس بمشاعر ملايين البشر جملة هائلة من ردود الفعل العنيفة ذلك انها قد تجاوزت كل الحدود الفاصلة والخطوط الحمراء! لقد وصلت الحالة إلى درجة أن تسخر من عقيدة مليار وثلاثمائة مليون مسلم.
حيث بدأت حملة مبيّتة منذ أشهر من اجل التعّرض لهذا الرمز المقّدس، اي منذ الثلاثين من سبتمبر الماضي.. ويلاحظ المرء إلى انه قد تعّرض الى هجوم حاد وسخرية مسيئة في الصحافة الدانماركية!
لقد بدأت الأزمة كما يصوّرها المسلمون هناك عندما أراد مؤلف كتب أطفال دنماركي أن يضع على غلاف كتابه صورة للرسول الكريم، ورفض رسام الكاريكاتير المكلف بإعداد الغلاف رسم هذه الصورة، فقرر المؤلف إقامة مسابقة لرسم الرسول.
حيث تقدم لها 12 رسام كاريكاتير أرسلوا 12 صورة مسيئة للرسول الكريم، ثم تواصل نشر هذه الصور المسيئة في صحيفة «بيو لاندز بوستن» اليمينية المتطرفة والتابعة للحزب الحاكم، ولم يكتف الامر بذلك، بل انتقل إلى شبكة الإنترنت، وبالرغم من أن المسلمين في الدنمارك والذين يبلغ عددهم 200 ألف مسلم حاولوا الاحتجاج على القرار .
وذلك عن طريق رفع مذكرة إلى الحكومة الدانماركية، إلا أن الجواب كان هو الرفض وإصرار الحكومة على دعم حملة الهجوم تحت مسمى «حرية التعبير».
إخفاق «حوار الحضارات»
ان هذه الحالة ستزداد إيغالا في الفعل ورد الفعل ضمن وسائل مختلفة اذ لم تبق الحالة أسيرة دراسات وكتابات وخطب.. بل أصبحت مادة ثمينة لوسائل الإعلام والاتصالات من اخطر ما يستخدم اليوم في التعبير عن الكراهية والأحقاد والعداء بين العالمين ضمن ما سمي بـ «صدام الحضارات»، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001.
لقد عقدت عدة ندوات ولقاءات ومؤتمرات وحوارات لمعالجة إشكالية هكذا «ظاهرة» أخذت تستفحل كثيرا، حتى أصبحت مسألة «حوار الحضارات» مادة أساسية للعرب والمسلمين وهم يتطلعون لمن يحاورهم من الغرب ولا مجيب .
وبالرغم من انني لا أؤمن بهكذا جدلية يهتم بها طرف واحد من دون ان يهتم بها الطرف الآخر.. فإن ثمة علاجات لابد ان يوفّرها العرب والمسلمون لتأسيس توازن وتقاليد تحّد من حجم التطاول على الرموز الدينية وايقاف الاستفزازات للمشاعر والعواطف القيمية التي يعتز بها الناس.
ان الإساءة لأي دين أو معتقد أو فروض أو عبادات أو أصول .. لا يمكن ان تبقى تحت اي حجج أو مسوغات من اي جانب كان.. ولابد من نزع الكراهية والأحقاد من ان تستخدم من هذا الطرف أو ذاك..
ان جاليات إسلامية كبيرة تنتشر وتقيم في بلدان أوروبية عديدة منذ سنوات خلت، وهي تشكّل كما نراها مجتمعات مغلقة وغير منفتحة على تلك المجتمعات التي آوتها وجعلتها تعيش في كنفها .. على هذه الجاليات ان تقّدم صورا إنسانية في تأسيس علاقات وتوطيد أفكار مشتركة من اجل امتصاص النقمة التي بدأت تكبر كثيرا وخصوصا في المجتمعات الأوروبية الغربية والشمالية ..
لقد وجدت الحالة أشبه ما تكون بكرة الثلج وهي تتدحرج فهي الآن تكبر أكثر وأكثر مما سيقود إلى اشتعال مشكلات لا حصر لها في المستقبل .
دعونا نتأمّل في الأسباب والدواعي
ان تصعيد حالة الكراهية والعداء للعرب والمسلمين بكل الوسائل لها أسبابها ودواعيها، اننا بقدر ما ندين هذه «الحالة »، ينبغي علينا ان نتدارس الأسباب والدواعي التي حدت ولم تزل بالمجتمعات الأوروبية الى ان يغدو هذا «الموضوع» إلى حالة من المرض والقلق والخوف والهستيريا..
علينا ان نسأل أيضا: ما الذي حدث في مجتمعات الغرب حتى تعّبر تلك المجتمعات عن كراهيتها، ونحن نعلم بأن تلك المجتمعات قد فتحت أبوابها أمام العرب والمسلمين مهاجرين ولاجئين ونازحين في القرن العشرين . الم نسأل أنفسنا: لماذا اختلف الناس بغير الناس ولله في خلقه شؤون ؟
ان مسألة «حوار الحضارات» مجرد أضغاث أحلام لا تقّدم ولا تؤّخر من الظاهرة لأن العقل الغربي (وخصوصا الأوروبي) لا يجد أي لغة منطقية مشتركة بينه وبين العرب، ويصّر على تحويل الكراهية إلى «صناعة إعلامية» من خلال المنتجات الإعلامية .
دور منظمة الاسيسكو
لقد سمعنا من مصادر دبلوماسية مصرية عن إجراء اتصالات لتفعيل قرارات قمة «مكة» الإسلامية بالعمل على تجريم ظاهرة كراهية الإسلام وقيمه، وكذلك التشويه المتعمد له، وتدنيس المقدسات الإسلامية. فلا يمكن ان يمنع منعا باتا المس بالسامية ويسمح بالإساءة إلى الإسلام .
ثمة اتصالات تجري اليوم بين حكومات ماليزيا، بوصفها الرئيس الحالي لمنظمة المؤتمر الإسلامي، والسعودية (رئيس القمة الاستثنائية)، والجزائر، الرئيس الحالي للقمة العربية ومصر مع دعوة جامعة الدول العربية تفعيل قرار دولي يمنع بموجبه الإساءة إلى الأديان والعقائد والشعائر. وتدرس هذه المشاورات مشاريع قرارات، تمهيداً لطرحها على مؤتمرات المنظمات الدولية والإقليمية ومتعددة الأطراف، التي تشارك فيها دول إسلامية.
ومنها الأمم المتحدة وحركة عدم الانحياز والاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية والحوار الأطلسي المتوسطي، ومنظمة التعاون والأمن الأوروبي، وغيرها من المنظمات الدولية .
. من أجل تبنّي هذا الطرح. من جهة أخرى، لابد من القول ان المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الاسيسكو) بدأت بتصعيد الموقف ضد الدنمارك.
وقال المدير العام للمنظمة الاخ الدكتور عبدالعزيز التويجري إن الدنمارك اذا استمرت في تجاهلها لمشاعر الملايين من المسلمين فإن المنظمة ستحث الدول الإسلامية الأعضاء بها على ضرورة قطع علاقتها الاقتصادية والسياسية مع الدانمارك.
وكشف عن أنه سيتم رفع دعوى ضد الصحيفة الدنماركية التي نشرت الكاريكاتير المسيء واذا لم يتم إصدار حكم عادل ستلجأ المنظمة إلى محكمة العدل الدولية. تحية للصديق الأخ التويجري .. دعونا نقف معه من اجل أسمى الأهداف.
مؤرخ عراقي