بداية هذه تحية للشعب الفلسطيني كله، لحماس وشبابها المجاهد، ولفتح وتاريخها النضالي، ولكل هذه اللياقة السياسية العالية جداً التي استطاع بها الفلسطينيون أن يجترحوا معجزة الأداء الديمقراطي عالي الكفاءة، وهم يرزحون تحت الاحتلال وضمن شرط حياتي بالغ القسوة وظرف احتلالي شديد الشراسة.

وبالرغم من أن العالم أجمع بما فيه حماس نفسها، قد أفاق على صدمة الفوز في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني، وبأغلبية الأصوات والمقاعد، إلا أن هذا العالم، وأوله حماس، مطلوب منه أن يتعاطى مع هذا المتغير شديد الأهمية بأعلى قدر من الحكمة والحنكة والذكاء.

ونعلم أن حماس برجالها وكوادرها قادرة على ذلك، تماماً بالدرجة نفسها التي استطاعت بها أن تحشد الداخل الفلسطيني إلى صفها، وهي عزلاء إلا من أدائها الجهادي العظيم، ووحيدة إلا من تكاتف الداخل الفلسطيني بكل أطيافه وشرائحه معها.

لقد فازت حماس بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي لأنها شكلت خيار الإنسان الفلسطيني، الذي أنهك كثيراً وكثيراً جداً، وهو يحمل مأساته مشرداً في طرقات التيه ضمن تغريبة بدت وكأنها بلا نهاية، على كثرة مقولات السلام واتفاقات السلام ومصافحات السلام وتنازلات السلام، وعلى صعوبة الواقع الداخلي الغارق في الفقر والبؤس والقتل اليومي، وفساد رجال السياسة!

فازت حماس لأنها أظهرت أيادي نظيفة في تعاطيها مع ظروف الداخل الفلسطيني في المخيمات والقرى المنسية فلم يسر رجال حماس من وراء أرتال المساعدات التي يتلقونها من الخارج، ولم يختبئوا في محميات وقصور بعيداً عن متناول إنسان الشارع.

ولم تستقبلهم قصور الرئاسة في عواصم الشرق والغرب، لكنهم فازوا لأنهم كانوا الأقرب إلى نبض الشارع، إلى هيئة رجل الشارع الفلسطيني وخطابه، لأنهم جاعوا مثله، واكتووا بنار المحتل مثله.

وقدموا أبناءهم ضمن قوافل الشهداء ثم قدموا أنفسهم، فاختارهم الشعب الفلسطيني، بإرادته وبشكل ديمقراطي حر، تماماً كما يفضل الغرب أن يأتي بمن يمثله إلى مقاعد الحكم والمسؤولية. فلماذا الرفض والتهديد وردة الفعل المتشنجة تجاه حماس؟

نفهم السبب تماماً، وهذه أولى المحكات التي ستختبر مدى حكمة وذكاء رجال حماس وكوادرها، فهؤلاء الذين أدخلوا شارون في غيبوبته النهائية، ليسوا مجرّد صبية متحمسين يطلقون الرصاص في الهواء.

وليسوا استشهاديين حملة بنادق متحزمين بالمتفجرات فقط، إنهم كوادر مؤهلة بشكل كبير جداً، وإلا ما حجزوا كل هذه المقاعد في اللعبة السياسية، ولما حشدوا هذا الشارع الصعب إلى جانبهم!

سيكون على فتح أن تتقبل الهزيمة السياسية، وعلى حماس أن تعي خطورة وتبعات الانتصار، فهذه هي الديمقراطية، ولعل هذا الانتصار وتلك الهزيمة يشكلان التراكم المطلوب في مسيرة الكفاح الفلسطيني من أجل وطن مستحق، وطن يستحقه الفلسطينيون بجدارة الدم الذي قُدِّم وبجدارة الوعي المتوقع، وأول الوعي هو التماسك ضمن حكومة وحدة وطنية.

sultan@dmi.gov.ae