هل يمكن أن تخطئ كل مراكز الأبحاث ومعاهد استطلاعات الرأي المتخصصة إلى هذه الدرجة الفاضحة في التنبؤ بنتيجة الانتخابات التشريعية الفلسطينية الأخيرة؟

لن نتحدث في هذه السطور عن الزلزال السياسي الذي أحدثته حماس في المنطقة باكتساحها الانتخابات، فالجميع سوف يتحدث عن هذا الآن ولفترة طويلة، لكن ربما كان مهماً مناقشة مسألة استطلاعات الرأي ودورها في الانتخابات الأخيرة.

قبل اجراء الانتخابات بشهور اتفقت معظم هذه المراكز والمعاهد والجامعات على ان حركة «فتح» سوف تتقدم على حماس في الانتخابات بنسب تتراوح ما بين عشرة إلى عشرين في المئة، جزء قليل من هذه المراكز تحدث عن فوز محتمل لحماس أو تعادل مع «فتح».

لكن الذي يثير الحيرة والاستغراب ان أكثر من عشرة استطلاعات رأي جرت بعد اغلاق أبواب اللجان الانتخابية أكدت تقدم «فتح»، الغريب في ذلك ان استطلاعات العينة لما بعد التصويت يفترض ان تكون اقرب جداً إلى الحقيقة لأنها لا تسأل الناخبين السؤال التقليدي: لمن سوف تصوت؟، بل هي تسألهم: لمن أدليت بصوتك؟

وعندما تخطئ كل هذه المراكز والمعاهد والجامعات المتخصصة مجتمعة وبدرجة كبيرة فالأمر فيه لغز ويستحق النقاش حرصاً على عدم تكراره مستقبلاً، خصوصاً أن الفارق بين نتائج الاستطلاع والحقيقة تجاوز نسبة ال30%.

لتفسير ذلك هناك احتمالان لا ثالث لهما. الأول هو أن بعض الفلسطينيين «باطنيون» واتبعوا «التقية» في شأن تصويتهم، بمعنى أن الفلسطيني الذي صوت لحماس أخبر هذه المراكز والمعاهد ووسائل الإعلام بأنه صوت لفتح، لكن هذا الاحتمال يصعب تصديقه، فالفلسطيني الذي يتصدى ببسالة منقطعة النظير لأسوأ وأشرس احتلال يصعب عليه أن يخاف الإدلاء برأيه في التصويت ل«حماس» أو «فتح».

الاحتمال الثاني هو أن هذه المراكز التي أجرت استطلاعات الرأي كانت «تهرج» وتقوم بفبركة هذه الاستطلاعات، لأن هوى القائمين عليها ضد حماس وأقرب إلى «فتح»، وحاولت توجيه الناخبين إلى «أمنياتها» وليس قول الحقيقة، وأغلب الظن أن هذا هو الاحتمال الأرجح، لأن مسؤولين فلسطينيين في «فتح» قالوا انهم كانوا يعرفون بالهزيمة قبل الانتخابات وانهم لم يصدقوا كل ما خرجت به استطلاعات الرأي.

وإذا صدق هذا الاحتمال فهو يمثل كارثة حقيقية لأنه يعني ببساطة أن إمكانية وجود معاهد استطلاعات رأي محترفة وتمارس عملها بأسلوب علمي منضبط أمر يصعب توقعه في المستقبل القريب، خصوصاً أن المرء كان يراوده أن هذه المعاهد الفلسطينية هي الأمل المرتجى في هذا الشأن، بالنظر إلى عدم وجود معهد متخصص ومستقل وأمين على طول البلاد العربية وعرضها.

علينا أن نحسد الغرب وحتى اسرائيل، فهم يتمتعون بمعاهد محترفة يندر أن تخطئ، وإذا حدث فنسبة الخطأ لا تتجاوز الواحد أو الاثنين في المئة، رغم أن نسبة الخطأ التي تشير إليها هذه الاستطلاعات العالمية هي خمسة في المئة.

ولا يمكن للمرء في ظل ذلك سوى ابداء الأسف، ثم توجيه النصيحة لكل المراكز والمعاهد الفلسطينية وغيرها التي شاركت في هذا الدجل وتلك التمثيلية أن تعتزل اجراء الاستطلاعات وتتفرغ لممارسة أي مهنة أخرى!