ها قد خطا العراق، الخطوة الأخيرة للخروج من المرحلة الانتقالية، ليبدأ مسيرة جديدة، في أُطر مؤسسات رسمية منتخبة، تعمل وفق دستور دائم. وقد وضع الساسة، من مختلف الاتجاهات، حقائبهم الانتخابية، ذات الألوان الزاهية، جانباً، ليبدأوا العمل، فقد انتهى وقت الكلام.
فبعد مضي أكثر من شهر، على إجراء الانتخابات النيابية، في الخامس عشر، من ديسمبر 2005، أُعلنت النتائج النهائية، لهذه الانتخابات، وسط أجواء، أكثر هدوءاً، مما توقع الكثيرون.
ورغم التحفظات التي أبدتها عدد من الكيانات السياسية، وخاصة الرئيسية منها، على النتائج المعلنة، إلا أن روحاً إيجابية حذرة، تطغى على المواقف التي يبديها الفرقاء.
فالفترة الزمنية الدامية، والحافلة بكل المتناقضات، التي عاشها العراقيون، منذ سقوط النظام السابق، قد صنعت القناعات، بضرورة السعي، نحو فتح صفحة جديدة، في تاريخ العراق الحديث.
المجلس النيابي العراقي الجديد، مقارنة بالجمعية الوطنية، التي انتهت مدتها، يعبر عن تشكيلة، أكثر توازناً، وأقرب تمثيلاً، لمكونات الشعب العراقي، وأكثر قدرة، على معالجة الكثير، من الملفات الساخنة، التي تنتظر انعقاده.
لقد اكتشف الساسة العراقيون، منذ الانتخابات الأولى، التي جرت، في الثلاثين من يناير 2005، بأن التعامل مع الناخب العراقي، أمر سهل للغاية، فالغالبية العظمى من الناخبين، لا تعرف المرشح، أو المرشحين، التي قامت باختيارها.
وإنما تعرف، أسماء قوائم، مزكاة بهذا الشكل، أو ذاك. و قد اكتشفوا أيضاً، بأن التعامل مع زملائهم في المجلس، أصعب بما لا يقاس، من التعامل مع الناخب، فالحسابات في هذه الحالة مختلفة، واستحقاقاتها، مختلفة كذلك.
فالديمقراطية، إن عنت في إحدى مراحلها، حواراً مليئاً بالوعود، يجريه السياسي، مع الناخب، فهي في المرحلة الثانية، مساومات شاقة، مع الأطراف الفائزة الأخرى، للحصول على أكبر المكاسب، سواء للكتلة السياسية التي يمثلها، أم لشخصه.
وهذ المساومات والمقايضات، ليست غير مقيدة، فهي بالدرجة الأولى، خاضعة لاستحقاقات الدستور، الذي ينص، على أن مجلس الرئاسة، المكون من رئيس الجمهورية ونائبيه، ينبغي أن يُنتخب، بأغلبية ثلثي أعضاء المجلس النيابي، أي أن الحد الأدنى لذلك، هو الحصول 184 صوتاً.
وهذا ما لا تستطيع، الكتلتان الرئيسيتان الفائزتان، الائتلاف العراقي الموحد، والتحالف الكردستاني تحقيقه، فمجموع أصواتهما معاً، يبلغ 181 صوتاً، وهما بحاجة إلى التحالف مع كتلة ثالثة.
قد يستطيع، الاتحاد الإسلامي الكردستاني، الذي كان جزءاً، من التحالف الكردستاني، في الانتخابات السابقة، والذي حصل على خمسة مقاعد، في الانتخابات الأخيرة، القيام بهذه المهمة، خاصة وأن قادته، قد صرحوا، قُبيل الانتخابات، بأنهم سوف يتحالفون، مع التحالف الكردستاني فيما بعد.
إلا أنه، وفي ظل الأوضاع الاستثنائية، التي يمر بها العراق، هنالك ميل، خاصة لدى التحالف الكردستاني، مدعوماً بقوة، من الجانب الأميركي والبريطاني، لتشكيل حكومة توافق وطنية، تضم جميع مكونات الشعب العراقي.
وهذا في الحقيقة، توجه على درجة كبيرة من الأهمية، لمصلحة العراق، على أن يراعى في ذلك، الاستحقاق الانتخابي، إذ في نهاية المطاف، ينبغي أن يُصار، إلى إحترام إرادة الناخب.
يتساءل العراقيون، عن مواصفات، الشخص المناسب، لمنصب رئيس الوزارة، في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ العراق ؟
صحيح أن الانتخابات، قد أفرزت واقعاً لا يمكن تجاهله، إلا أن المرحلة الحالية الخطرة، التي يمر بها العراق، تتطلب موازين، لا تسعها، أطر الاستحقاقات الإنتخابية، التي أفرزتها الانتخابات التي جرت مؤخراً.
فليس هنالك من حزب، قد فاز في الانتخابات، بأغلبية تؤهله لتنفيذ برنامجه الحزبي. فالائتلاف العراقي الموحد، وهو أكبر كتلة، في مجلس النواب الجديد، ليس حزباً سياسياً، ولا مرجعية سياسية، بل هو تجمع انتخابي، يضم حوالي ستة عشر كياناً سياسياً.
والكيان الأكبر الذي يضمه، وهو المجلس الأعلى للثورة الاسلامية، ليس لديه غير ثلاثين مقعداً من المقاعد داخل الائتلاف، أي ما يقرب من، 11 % من المقاعد النيابية، هذا لو فاز الائتلاف لوحده، بجميع مقاعد المجلس، البالغ عددها 275 مقعداً.
أما وقد حصل الائتلاف على 128 مقعداً فقط، فإن نسبة النواب، لأكبر كتلة حزبية فيه، لا تصل إلى أكثر من 5 %، وهذا ينطبق كذلك، على التيار الصدري، الذي لديه من النواب، داخل الائتلاف العراقي الموحد، قدر ما للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية.
أما بالنسبة لحزب الدعوة الاسلامية، أو حزب الفضيلة، فلدى كل منهما، من النواب، في قائمة الائتلاف العراقي الموحد، قدر نصف ما لدى المجلس الأعلى، للثورة الإسلامية، ونصف ما لدى التيار الصدري، فلذا لن يتمتع، أي منهما، في البرلمان المنتخب، بأكثر من تأييد، 5 ,2 % من أعضاء المجلس.
وهي نسب متواضعة جداً، مقارنة بالنسب التي حصلت عليها، أحزاب إسلامية أخرى، في بلدان مجاورة، فقد حصل حزب التنمية والعدالة التركي، بزعامة السيد رجب طيب أردوغان، في الانتخابات النيابية التركية، عام 2002، على 363 مقعداً، من مجموع مقاعد المجلس، البالغ عددها 550 مقعداً، أي نسبة تعادل 66 %.
هذه الأرقام، هي القوى الحقيقية، للأحزاب الاسلامية، داخل المجلس النيابي الجديد، فهل تؤهل زعيم أحداها، في حالة توليه لمنصب رئاسة الوزارة، على تبني، فلسفة الحزب، الذي يقوده، في برنامج الوزارة ؟، الجواب عن ذلك، هو كلا، بكل تأكيد.
في ضوء هذه الأرقام، فرئيس الوزراء، وهو وفق الدستور العراقي، رئيس السلطة التنفيذية، ينبغي أن يكون بالدرجة الأولى، منتمياً إلى العراق.
وليس إلى الحزب الذي يحمل بطاقته، وأن يكون ولائه للعراق، أرضاً وشعباً، هاجسه الأول في العمل، كما ينبغي، أن يكون قادراً، على السمو، فوق أطماع الرغبة في البقاء، في كرسي الرئاسة.
وأن يكون ديمقراطياً، يحرص على أن يكون القرار، الذي يصدر عنه، هو قرار وزرائه، وليس قراره الشخصي، وأن يكون شجاعاً، لا يحابي أو يجامل، أفراداً أو حكومات، على حساب مصلحة العراق.
وأن يكون لديه، وضوح تام، لما تتطلبه المرحلة الحالية، من أولويات، على المستويات الدولية والإقليمية والمحلية، و لديه المرونة الكافية، لاستيعاب سعة التنوع العراقي. ولديه رغبة قوية في ردم الخنادق، التي حفرت بين مكونات الشعب، وقدر كبير من التصميم على إعادة بناء الهوية الوطنية العراقية الممزقة.
رجل لديه الرغبة، ولديه القدرة، للعمل جماعياً، مع المؤسسات الرسمية المنتخبة، ومع مؤسسات المجتمع المدني، التي بدأ بعضها بالنشوء، على بناء عراق، يتسع للجميع، ليس فيه ميليشيات، تضعف دور القانون، وليس فيه معتقل، بسبب الرأي، وليس في معجمه السياسي، مفردات الاغتيال، أو استبعاد الآخر، أو عداوات للدول المجاورة.
majamal@emirates.net.ae
كاتب عراقي