في بعض الدول الأجنبية، يطرق عليك الباب شخص ما، يعطيك كيساً، ويطلب منك أن تضع فيه ما لست بحاجة إليه، ثم يعرفك بنفسه على أنه واحد من تلك الجمعيات أو المنظمات الخيرية، التي تحاول تأمين احتياجات الفقراء والمحتاجين والمعوزين.

وقبل أن يتركك لا ينسى ان يؤكد عليك ان تضع في ذلك الكيس كل ما لست بحاجة إليه، ولم تعد تستعمله، كتب، ملابس، أوان، أدوات منزلية، أغطية، أثاث، إكسسوارات، أموال... إلخ.

بالنسبة للبعض، تشكل هذه الحركة، مناسبة جيدة لجرد المنزل، والتخلص من أكداس لا تحصى من الأشياء التي لم يعودوا بحاجة إليها.

وبالنسبة لآخرين تشكل مناسبة للوقوف طويلا عند بعض الأشياء التي يصرون على الاحتفاظ بها رغم مرارة الذكريات التي تصاحبها، أما بالنسبة لآخرين فإنهم يقولون إن أسمى ما يمكنك ان تمنحه أو تتصدق به على محتاج هو ما تشعر بأنه عزيز عليك فعلاً، وهذا ما يطلق عليه الايثار!

يقول كثير من الناس إن لديهم أشياء لا تبدو في ظاهرها ثمينة أو غالية الثمن، لكنهم لا يستطيعون الخلاص منها بسهولة لانها ترتبط عندهم بمواقف وتذكارات.

وأعرف واحدة من هؤلاء لاتزال تحتفظ بأدق التفاصيل من كتب وأوراق وكراسات وأوراق اختبارات وبطاقات تهنئة وأزهار مجففة وملابس و.. إلخ تعود إلى فترة دراستها في عاصمة أجنبية، لأن كل تلك الأشياء ترتبط عندها بقصة حب عاشتها هناك.

ومع أن تلك القصة انتهت نهاية غير سعيدة، إلا أن هذه الفتاة لا تستطيع التخلص من كومة التذكارات تلك، إنها تقيد نفسها بها بشكل يكاد يكون مرضياً، وفي الحقيقة فإن عملية جرد الحقائب وتنظيف الخزائن بشكل دوري والتي يقوم بها البعض دائماً، للخلاص من الأشياء المادية القديمة أو عديمة الجدوى ليست مجرد عملية جرد وتنظيف، إنها عملية نفسية ووجدانية في المقام الأول، فهي «عملية تحرير للنفس وللعمر كله من التراكمات غير الضرورية»، وهذا تحديداً ما حاول أن يؤكده مؤلف كتاب «إعادة حزم الحقائب».

يحمل البعض الكثير من الأشياء، يكدسونها وينسونها في مكانها، قد يعودون لفتح ملفاتها القديمة بين وقت لآخر، لكنهم لا يفعلون ذلك دائما، إنهم كمن يحمل على عاتقه حملاً إضافيا من الأشياء ومن الأحزان، مع أن الحياة لا تتحمل أعباء إضافية، بقدر ما تحتاج أن نعيشها ببساطة أولاً.

وبأقل قدر من التراكمات، نعيشها بسعادة مع أشياء نحتاجها فعلاً، أشياء تجعل حياتنا أسهل وأجمل وأكثر دفئا وسلاسة، فلماذا نستغرق إذن كل هذا الوقت في التفكير كي نتخلص من أشياء لا ضرورة لها؟

sultan@dmi.gov.ae