رغم أننا نشاركهم في مجابهة أحجام هائلة من المشاكل السياسية، أو في مواجهة عدد من الاختناقات الاقتصادية أو العقبات الإجرائية.. فلا يزال ثمة فرق شاسع ونوعي أيضا بيننا في العالم العربي وبينهم في العالم الأوروبي.

ربما يكون فرق التخلف والتقدم.. وربما يكون الفرق بين التأني والتدرج عندهم وبين السرعة أو هي التسرع عندنا في بعض الأحيان.. وربما يكون هناك أسباب أخرى.. لكن تبقى لهم ـ في تصورنا ـ ميزة نطمح من جانبنا إلى أن تكون بحوزتنا في يوم من الأيام..

إنها ميزة النقد الذاتي.. تلك الخصلة التي تدفع البشر ـ حكاما أو محكومين إلى أن يطلوا على تجاربهم بمنطق المراجعة بغير تراجع.. ومنطق التقييم بغير تحطيم..

ومنطق الدرس والتحليل بغير حساسية إزاء سلبيات قد يرصدونها أو مشكلات قد يحددونها.. فيما تتركز همومهم على أن يتدارسوا تلك السلبيات التماسا لحلول واقعية ناجعة لتلك المشكلات.

بهذه الرؤية نعرض لأحدث دراسة نطالعها عن تجربة الاتحاد الأوروبي: هي دراسة عن مستقبل ذلك الاتحاد بشكل عام.. وإن كان محور تركيزها يدور حول المشاكل التي تصادفها تلك التجربة الاتحادية الغربية.

وإن كانت الدراسة التي نحيل إليها قد عمدت إلى تخفيف مصطلح السلبيات فكان أن استخدمت عبارة تقول بالحرف: «عوامل اللا يقين.. بمعنى عوامل عدم الثقة أو عدم التأكد من مستقبل الاتحاد الأوروبي»، هذه الدراسة منشورة في فصلية »بحوث المستقبل».

وهي دورية ربع سنوية لها مكانتها العلمية في أوساط الأكاديميين وقد صدر أحدث أعدادها (صيف 2005) في الولايات المتحدة عن الجمعية العالمية للمستقبل.

الدراسة التي تعرضت لمصير الاتحاد الأوروبي ومشكلاته أعدتها البروفيسور «ماغدولنا ساث» أستاذ الإدارة الإستراتيجية الدولية في جامعة بودابست بالمجر وقد انطلقت حسب منهجها العلمي أولا من أرض الواقع أو ما تسميه «أوروبا بين الأحلام والحقائق»®.

ثم مضت إلى استعراض وتحليل المشكلات والعقبات التي تصادف التجربة الاتحادية - الوحدوية الأوروبية حاليا.. ومن ثم اختتمت الدراسة - على طريقة علماء المستقبليات بطرح 3 سيناريوهات لمستقبل الاتحاد الأوروبي.

تقول الباحثة الهنغارية: أن الاتحاد الأوروبي لن يستطيع - بأوضاعه الحالية - تحقيق هدفه الأسمى الذي حدد لبلوغه عام 2010 أو ما يعرف باسم «هدف لشبونة» .

ومؤداه ما يلي: أن يتحول اقتصاد أوروبا الموحدة ليصبح اقتصادا دينامياً قائماً على أساس مجتمع المعرفة الذي يستخدم أهم وأنجع وأحدث أساليب وبرمجيات الحوسبة الالكترونية..

والسبب هو أن توسيع نطاق الاتحاد الأوروبي والمبادرة بل المبالغة إلى ضم دول وكيانات عديدة إليه تم لأسباب سياسية ومصالح وقتية أو قصيرة النظر قبل أن يتم ذلك لأسباب موضوعية واستراتيجية..

مما أوصل الاتحاد الأوروبي إلى حالة تصفها الباحثة في دراستها المنشورة فتقول: «أصبح الاتحاد كيانا بيروقراطيا»®. شديد المركزية وتتم إدارته من أعلى إلى أسفل.

وعلى نحو ما يحدث من وجود مشاريع مخططة مركزيا تحلم بها حفنة من البيروقراطيين وتدعمها أموال مأخوذة من فرادي أقطار الاتحاد بينما كان من الأفضل استخدام تلك الأموال لصالح تجارب إنمائية محلية تتم على صعيد الأقطار - أعضاء الاتحاد من جهة وتتسم بالكفاءة والنجاعة من جهة أخرى.

هناك أيضا أمراض هيكلية وإجرائية (لوجستية) أخرى وجدت طريقها إلى بنية الاتحاد الأوروبي. إن الأستاذة ماغدولنا ساث تنعي على الاتحاد افتقاره للشفافية في عمليات التداول والحوار بين مؤسساته وفي مراحل صنع وهندسة القرارات التي تخلص إليها تلك المؤسسات..

أما السلبية الخطيرة الأخرى وهي ناجمة في رأينا عن التوسيع المتسرع في العضوية فتتمثل في أن أقطار أوروبا الشرقية (السوفييتية ـ الشيوعية سابقا) مازالت تعاني الإهمال وربما التهميش لدرجة أنهم تركوها فريسة للتخلف عن المسيرة الاتحادية الأوروبية على نحو ما تقول الدراسة التي بين أيدينا.

وإذا كان الهدف المطروح سابقا في لشبونة هو الوصول إلى مجتمع المعرفة القائم على منجزات الحاسوب وشبكات المعلومات الغلوبالية فإن الباحثة المجرية تحذر في أكثر من موضع بدراستها من تكريس حالتي التقدم والتخلف.

أو فلنقل التعثر في التعامل مع أحدث تكنولوجيات المعرفة في عصرنا.. بين أقطار (في غرب أوروبا بالذات) يمكن أن تتحول إلى ما تصفه الباحثة إلى «مبدعي المعرفة» وأقطار أخرى (في وسط أو شرق الاتحاد الأوروبي) تقنع بمركز «متلقي المعرفة» .

وهو ما يهدد مستقبل التجربة الوحدوية الأوروبية بنوع من الفصام التكنولوجي - المعرفي بين بائع مبتكر منتج ومشتر لا حول له سوى أن يكتفي بالتلقي أو الشراء.

ومن شأن وضع كهذا أن يفضي إلى نوع من الطبقية الثقافية التي سوف تتجلى بوضوح سافر وخطير في مجال البحث والتطوير - مجال العلم والتكنولوجيا على وجه الخصوص.

الأفدح من هذا هو طبقية الثراء أو سوء توزيع الثروة والموارد على صعيد أقطار الاتحاد الأوروبي.. ناهيك - تضيف الأستاذة الباحثة - بآفة الفساد التي بدأت تتفشى في أوساط المؤسسات والأفراد المسئولين عن توزيع الاعتمادات الطائلة من الأموال بين بلدان ومرافق الاتحاد..

كل هذه الآفات كفيلة - حسب تعبير دراستها - بأن تصيب الاتحاد الأوروبي بترهل الكيان وتعثر الخطى.. إلى حيث تظهر تجاعيد الضعف والوهن على جبين الاتحاد بمعنى أن تصيبه بالشيخوخة قبل الأوان..

وفي ضوء هذه المعطيات تخلص الدراسة إلى السيناريوهات المحتملة الثلاثة على الوجه الموجز التالي:

ـ الأول صورة أوروبا تحارب الأزمات وفي ظل هذا السيناريو يواصل الاتحاد الأوربي وضع الخطط وصوغ الأحلام ولكنه يفشل في تنفيذ الخطط أو تحقيق الأحلام.. بمعنى يفشل في ردم الثغرة التكنولوجية التي مابرحت تفصله عن أميركا بل وعن بعض الأقطار المتقدمة في الشرق الآسيوي مما يؤدي إلى تصدع الكيان الوحدوي بأسره.

ـ الثاني: تحاول أوروبا التماس قوة المنافسة مع أميركا من خلال مركزية حشد الموارد الاقتصادية وفرض تدابير صارمة قد تفضي إلى أساليب غير ديمقراطية بل وديكتاتورية في إدارة دفة الحكم مما ينجم عنه حركات تمرد من جانب المجتمعات المدنية في هذا القطر أو ذاك ومما يؤدي بدوره إلى انشقاقات عن كيان الاتحاد الأوروبي أصلاً.

ـ الثالث: هو المتفائل الذي يعمل فيه قادة الاتحاد على تكريس قيم الديمقراطية ويناضلون لتحقيق عدالة المعاملة بين المزارعين ودوائر التجارة والأعمال والمواطنين وخاصة في الدول حديثة الانضمام..

ويجهدون كذلك في الأخذ بمزيد من الشفافية وفعالية رصد الموارد واستغلالها مما يوسع إطار مشاركة القواعد وزيادة اللامركزية والإصغاء لصوت ومصالح الدول الصغيرة والكيانات والمناطق المهمّشة..

في ظل هذا السيناريو، كما تقول الباحثة ربما لا يصبح الاتحاد الأوروبي قوة عالمية عظمى ولكنه قد ينعم باقتصاد تنافسي يقوم على ركائز اجتماعية راسخة ويحقق بالتالي مستوى مرموقا من نوعية الحياة.

كاتب مصري