نحن مستعدون لتطبيق (الديمقراطية) الغربية وفي أي وقت ومكان تحدده الولايات المتحدة باعتبارها صاحبة الفكرة التي انجر العالم خلفها دون تردد.
ونحن أيضاً في أتم الاستعداد لتطبيق وفرض (الأخلاق) الغربية على شعوبنا التي أصبحت من وجهة نظر الدول الغربية (إرهابية ومتخلفة) ولكن بعد تطبيق الديمقراطية الغربية. أي من خلال استفتاء شعبي عام على هذا الأمر.
كل ذلك من الممكن أن يتم وبرحابة صدر، ولكن بشروط بسيطة جدا لا نظن أن أحدا سوف يخالفنا الرأي عليها.
أولاً: نطبق الأولى تماما بالشكل والأسلوب الذي تقوم هي بتطبيقه.
ثانيا: أن نعطي أنفسنا نفس المبررات التي تعطيها الدول الغربية لممارسة حقوقها (الديمقراطية) وكيفية الدفاع عن أمنها ومصالحها.
وهذا أمر مفروغ منه وإلا لأصبحت الدول الغربية الديمقراطية تعيش حالة من التناقض!
فإذا كانت الديمقراطية أولاً تعني أن يحكم الشعب نفسه بنفسه، فإن ذلك يعني حرية الشعوب في تحديد مصيرها بنفسها دون تدخل خارجي أو أجنبي، حيث إننا لم نسمع قط بديمقراطية لا يتم تطبيقها بطريقة ديمقراطية! أي أن تجبر بها دولة أخرى!
وإلا لم تصبح (ديمقراطية) بالمفهوم الغربي نفسه! حيث لم يفرض أحد في السابق على دول الغرب تطبيق مبدأ الشورى: فقد كانت وليدة الظروف التي مرت بها.
أما إذا كان الأمر يصل إلى حد (فرض) مثل تلك المبادئ، فإننا نعطي لأنفسنا الحق أيضا واعتمادا على مفهوم الديمقراطية الغربية ذلك بأن نطلب من تلك الدول أن تقبل بأن نفرض عليها مبادئنا بعد تطبيق الديمقراطية لدينا!
وبما أن الولايات المتحدة والدول التي تدور في فلكها (بشكل غير ديمقراطي) تريد أن تفرض وتملي على الدول الإسلامية تغيير وتعديل مناهجها التربوية في المدارس والجامعات والمعاهد بما يتطابق مع توجهاتها (وبالخصوص المواد الدراسية التي تمس المبادئ الدينية بدعوى أنها تحرض على الإرهاب) فسيكون من حقنا بالتالي أن نطلب من تلك الدول (ديمقراطيا) بأن تعيد النظر في مناهجها الدراسية التي تلغي الشعب الفلسطيني من الخارطة الجغرافية .
وتثبت في كتبها ممارسات الصهيونية في فلسطين من تصفيات وبناء الجدار وغيرها من الممارسات اللا إنسانية التي تشبه إلى حد كبير ممارسات الدول الأوروبية الاستعمارية في أفريقيا والدول العربية وآسيا .
وغيرها من الدول، وتعترف بإبادة الهنود الحمر سكان أميركا الأصليين، وتعيد بذلك كتابة التاريخ من جديد وبما يكشف الحقائق التي تم التحفظ عليها!
وبما أن الديمقراطية تفترض النقاش والجدل للوصول إلى الحقيقة فمن حق الجهتين تشكيل لجان دائمة تحت إشراف الأمم المتحدة (التي يجب أولاً أن تخرج من دائرة نفوذ القوى العظمى لكي تصبح مستقلة) لحل مثل تلك المسائل دون أن تفرض فرضاً على أحد الأطراف! وأشك أن تقبل أي من تلك الدول المتقدمة صناعيا واقتصاديا بمثل هذه الديمقراطية التي لا تصب في صالحها!
إن الغرب هو الذي ابتدع مبدأ (الغاية تبرر الوسيلة) منذ نيقولو ماكيافيللي الذي ولد في عصر النهضة بمدينة فلورنسا في إيطاليا ومات فيها (1469 ـ 1527)! والدول الغربية الصناعية تسعى اليوم لتطبيق ذلك المبدأ حرفيا تحت مسميات مختلفة: مكافحة الإرهاب، الشرق الأوسط الكبير ونشر الديمقراطية. والعولمة واحدة من أشكال هذه الوسائل!
وجورج بوش جونيور ربما يحاول في تاريخنا المعاصر تطبيق تلك المبادئ التي مازالت سارية المفعول على الجميع: حتى على شعبه! ولو أننا لم نسمع بعد بأنه أطلع على كتاب (الأمير) الذي ألفه ماكيافيللي! وإلا فكيف نفسر استمراره في حكم شعبه بعد أن فقد ثقة أكثر من ثلثي شعبيته؟
فقد خسر الحرب في العراق أولاً، ثم اعترف باعتماده على معلومات غير دقيقة (ونحن نقول مختلقة) شن على أساسها الحرب على العراق وكاد أن يمسحه عن الخارطة، ثم مسألة السجون الطائرة، وأخيراً فضائح التنصت تحت مسمى حماية الأمن القومي! والحقيقة هي أن هذه هي نفس الممارسات التي تنتهجها الدول التي يتهمها الغرب بأنها دول لا تطبق الحرية ودول غير ديمقراطية!
مثال واحد فقط كشف زيف الديمقراطية الغربية: عندما قررت الولايات المتحدة الأميركية شن هجومها على العراق انقسم العالم إلى قسمين، بين مؤيد لتلك الحرب تحت (ضغوط) نفسية أو مادية ومعارض، كفرنسا وألمانيا.
لقد قامت الدنيا ولم تقعد على فرنسا وألمانيا! وشنت وسائل الإعلام الأميركية حربا هوجاء ضد فرنسا بل وصل الحد إلى وصفها بناكرة الجميل الذي قدمته لها الولايات المتحدة الأميركية قبل نصف قرن عندما حررتها من الاحتلال الألماني! بعبارة أخرى، إن فرنسا وألمانيا ليس لأي منها الحرية في اتخاذ موقف مغاير لموقف الولايات المتحدة الأميركية! إنها ديمقراطية القوة.
لا أحد يرفض الديمقراطية أو كما تطلق عليها الشريعة الإسلامية: مبدأ الشورى. وإن الدول العربية بدأت متأخرة زمنا طويلا في هذا المجال وأنه حان الوقت لمسايرة العصر، وقد بدأت بوادر هذا التغيير في المنطقة.
وعلينا أن نستفيد من خبرات الغرب في هذا المضمار. وقبل كل شيء: ألا نكرر ديمقراطية الغرب القائمة على المادة والقوة. نحن في حاجة إلى شورى صادقة مئة بالمئة، تقبل اختلاف الآخرين وترفض المساومات.
dralaboodi@gmail.com
جامعة الإمارات