يشي التاريخ البشري بأن النزوعات المثالية طالما خضعت للواقع المعاش، فلن تتحقق يوما المدينة الفاضلة، وقد عاش أفلاطون ومات دون أن يدشن الفيلسوف حاكما في القرن الخامس قبل الميلاد. ثم توالت التجارب تدل والخبرات تؤكد على النهاية المحبطة لكل فكر أو مشروع يدعي السمو التاريخي، أو يتعالى على سنن الاجتماع البشري.

فباسم الحرية والإخاء والمساواة دخلت فرنسا عصر التنوير في صراع مع ممالك أوروبا كلها حول حق تفسير التاريخ وقيادته تجسيدا للروح المطلق حسب الطموح الفلسفي لهيجل.

وللمشروع السياسي الأوروبي حسب سبينوزا ما كاد يفقدها استقلالها نفسه بعد هزيمة نابليون في واترلو أمام تحالف العروش والتيجان التي دافعت عن مصالح سياسية واقتصادية مؤكدة منحها التاريخ حق الحضور الموضوعي فيه، والتأثير المنطقي عليه.

وباسم رسالة الرجل الأبيض في نشر المدنية والحضارة، تنامت نزعة التمركز الأوروبي تدريجيا منذ القرن الثامن عشر، وأطلقت موجاتها الاستعمارية نحو أغلب أنحاء الشرق والجنوب حيث احتل العالم العربي موقعا مركزيا.

وقد انتهت الحقبة الكولونيالية فعليا بالحرب العالمية الأولى التي هي في الحقيقة حرب أوروبية على المستعمرات خلفت الكثير من الدمار واستنزفت مالا يحصى من الدماء وأدت بعد عقود قليلة إلى أفول الإمبراطوريات المتصارعة.

وباسم التميز البيولوجي والاستعلاء العرقي والتطرف في فهم حدود تأثير البيولوجيا، ارتكبت ألمانيا النازية إحدى أكثر الجرائم الإنسانية عنصرية بحق اليهود مفجرة بذلك لـ «المسألة اليهودية» وصانعة من دون أي مسؤولية أخلاقية لـ «المشكلة الفلسطينية» أو «الورطة العربية الكبرى» في الصراع مع الصهيونية.

ولم تفلت ألمانيا نفسها من وطأة النازية حيث عانت مرارة الهزيمة والتقسيم في الحرب العالمية الثانية التي تكاملت لها الأسباب والملابسات التي جعلت منها أكبر كوارث وأدمى صراعات القرن العشرين وربما التاريخ البشري كله.

وفي المقابل وباسم الأفكار المثالية عن المساواة الإنسانية الكاملة وتهميش أثر البيولوجيا، تطرفت الشيوعية فألغت الملكية الخاصة لإزالة الفوارق بين الطبقات، وأضعفت العائلة وحاولت إلغاء الدين كفكرة ملهمة ومؤسسة تعبدية في الوقت نفسه.

وطلبت من الناس أن يكونوا غيريين يحبون البشرية عامة لا الدائرة الضيقة من الأهل والأصدقاء وأصحاب الوطن والدين والملة.

ولذا كان مصيرها الأفول لأنها سعت إلى قمع الطبيعة البشرية، وحاولت صب التاريخ في قوالب من الحتميات المسبقة ضد التنوع البشرى والتطور الإنساني فصدمها دهاء التاريخ الذي لم يقبل بأن يشكل الناس على هذا النمط من الأحادية، أو الحتمية.

ولعل ما يطرحه العقل الأميركي الآن من خطاب رسالي تبشيري يقوم على خليط من الميتافيزيقية في مصطلحات «العدالة المطلقة، والحرية اللانهائية، والحرب العادلة».

ومن المانوية في ثنائيتي «الخير والشر» , و «من معنا ومن ضدنا» يمثل لحظة انتقال مهمة على صعيد الفكر الأميركي بين المرحلة التبشيرية التي نهضت على دعاوى الحلم الأميركي والذي ظل حتى نهاية الحرب الباردة قادرا على الإلهام دون الوقوع في فخ العنصرية الذي طالما وقعت في أسره القوى الكبرى عندما تغرق في النرجسية القومية.

وبين المرحلة التبريرية الممتدة في أشكال مختلفة منذ انتهاء الحرب الباردة والتي تمثل أحدث جموحات الفكر المثالي نحو العنصرية حيث النزوع إلي بناء نرجسية أميركية أو «نزعة تمركز أميركي» مستقلة تحاول وراثة «المركزية الأوروبية».

ولعل أخطر الخطابات المثالية الملتحفة بالعنصرية تتعلق بالخطاب الديني «الراديكالي» المتنامي ضد عنصرية الفكر الأميركي وخاصة في العالم العربي ـ الإسلامي، فبدلا من ذلك الدور التبشيري الملهم الذي طالما لعبته الأديان وخاصة الإسلام كقوة روحانية خلاقة قادرة على الصهر في بوتقة الجماعة.

وعلى الفعل في مجريات التاريخ، انطلاقا من قاعدة الجهاد ضد خطايا النفس أولا، ومظالم الآخرين ثانيا، يتنامى الفهم التحريضي لدى فصيل منشق على إجماع الأمة ووسطياتها يقيم فهمه للعالم على تصورات مثالية .

وبسيطة واختزالية لدرجة العدمية عن العلاقة بين طرفي الثنائية الوجودية الأساسية أي ثنائية الغيب والشهادة، فيحيل عالم الشهادة الدنيوي «الواقعي» الإنساني إلى مجرد لحظة عرضية بلا قيمة أو معنى في ذاتها.

ولا دور لها سوى بلوغ عالم الغيب فيما يتصور أنه بلوغ آمن أو بالأدق «البلوغ الوحيد الآمن» الذي من أجله يتم إهدار الوجود، وإشعال العالم بحرائق لا تنتهي.

وهو فكر عدمي قد يمثل احتجاجا فوضويا عاصفا علي عنصرية الفكر الأميركي، ولكن من دون قدرة على تقديم بدائل واقعية له اذ يقوم بدوره الاحتجاجي ليس فقط من خارج إطار الشرعية القانونية.

وإنما أيضا من خارج الإطار العام للحركة التاريخية والذي يتسع لمختلف المذاهب والأديان والمشارب طالما استهدفت غايات إنسانية ومعان كلية مقبولة تاريخيا لا يمكن لفكر أو قوة فعل أن يمارس حضورها الواقعي في غيابها.

وإجمالا يدلنا التاريخ على اتجاهات معقولة لدورة الأفكار تقول : كل فكر مثالي متعال قابل للانحراف إلى نقيضه المتطرف والعنصري في لحظة تحولية ما، وكلما زادت مثاليته زادت درجة تطرفه المحتمل وهو بصدد محاولة السيطرة على المصير الإنساني كله وصبه في قوالب حتمية محددة سلفا.

كما تؤكد على : انه كلما ازداد الفكر تطرفا وتنامت نزعته الصدامية كان فشله أكثر احتمالا وتراجعة أكثر عمقا ولعل هذا هو السبب في أن كل الأفكار المثالية، والحركات السياسية الراديكالية ظلت دائما على هامش التاريخ، ربما تعالى وقع خطواتها أحيانا.

ولكن كقوة معارضة للتاريخ الرسمي الذي تحكمت في صناعته القوى والأفكار الأكثر اعتدالاً وعقلانية واستلهاما لسنن الاجتماع البشري وتعاطيا مع تنوعه وتباينه بل وتناقضه أحيانا من دون محاولة للسيطرة عليه أو لي عنقه باتجاه حتميات من أي نوع فلسفية كانت أو سياسية.

كاتب مصري