الانتخابات الفلسطينية.. تجربة برلمانية استثنائية ـ د. محمد خالد الأزعر

الانتخابات الفلسطينية.. تجربة برلمانية استثنائية

عقد كامل من السنين يفصل بين دورتي انتخاب مجلس سلطة الحكم الذاتي في الضفة وغزة، الشهير بالمجلس التشريعي الفلسطيني. خلال هذه المسافة الزمنية، جرت مياه كثيرة في نهر القضية الفلسطينية.

ومع ذلك يمكن الزعم بأن معظم الأهداف الاستراتيجية المتوخاة من هذا الإجراء الفارق، وأبرزها التحرر الوطني والتحول الديمقراطي، ما زالت تداعب وجدان الفلسطينيين وتدعوهم إلى مزيد من التضحيات والجهود.

ومبلغ علمنا أن المجال البحثي يخلو من دراسة شاملة معمقة لتجربة المجلس الأول، ولاسيما دوره في مقاربة قضايا التحرر والديمقراطية والتنمية.

لكن المعالجات النظرية التي اضطلعت بتحري هذا الدور على نحو جزئي أو مبتسر لا تبدو مبشرة ولا مثيرة للتفاؤل. وربما تأكد هذا الاعتقاد من نتائج استطلاعات الرأي، التي ذهب بعضها إلى محدودية احتمال تجديد ثقة الناخبين بأعضاء المجلس المنتهية ولايته، بسبب عدم الرضا عن أدائهم على جميع الصعد.

هذا لا يعني بالطبع أن تجربةً نيابيةً عمرها عشر سنوات كانت بلا مغزى أو آثار بين يدي الحياة السياسية الفلسطينية المضطربة. من الإنصاف بمكان أن تتنبه التقييمات ذات الصلة للظروف الموضوعية التي حَفت بهذه التجربة ووسمتها بطابع الفرادة والاستثنائية.

فلا ريب أن من يقدر له مدارسة عهد «المجلس التشريعي» الفلسطيني الأول في إطار بيئاته الضاغطة من كل الاتجاهات وفقاً لرؤية حيادية، لن يعثر على نماذج مشابهة تُسهل له مهمة المقارنة واستلهام العبر.

نود القول بأن خصوصية هذا العهد هي صدى لخصوصية القضية الوطنية الفلسطينية برمتها. لكن الأخذ بهذه القناعة لا يعني تلقائياً انتفاء مسؤولية أعضاء المجلس الأول وقواه بمواصفاتهم وممارساتهم الذاتية عن نواقص التجربة وعيوبها. فالمحددات الخارجية المعاكسة لم تُباغت هؤلاء الأعضاء ولا كانت طارئاً فوجئوا به على غرة.

لقد كانوا على دراية كاملة بما يعترض طريقهم، ومن ثم كان المفترض منهم الارتقاء باستعداداتهم إلى مستوى قياسي.. مستوى يعتبرون فيه أنفسهم بصدد مهمة نضالية بامتياز، تُلقي عليهم قولاً ثقيلاً.

ولأن سواد الشعب الفلسطيني من ملح الأرض كانوا دوماً أسبق من قياداتهم وأكثر رهافة وحساسية تجاه هموم الوطن، فإنهم تمكنوا من الحكم الصحيح على أداء ممثليهم النيابيين.

تشي بذلك الاستطلاعات التي أثبتت أن جمهور الناخبين يميز بحذق بالغ بين اعوجاج الممارسة الديمقراطية الناجم عن وجود الاستعمار الإسرائيلي بسطوته وجبروته، وبين الخلل المتأتي من الفساد العضوي الذاتي المنسوب إلى مؤسسات السلطة الوطنية ورموزها ومنها «المجلس التشريعي»®.

وكيف أن هذا الخلل الأخير تمكن مغالبته أو مداواته بمزيد من الانضباط الديمقراطي والاحتكام لمعايير النزاهة والطهرية والوطنية الحقة والالتزام بالعفة والشرف الوظيفيين والقيم الخلقية والاستهداء بمرجعية القانون والنظام.

المؤسف أن هذا التمييز الشعبي بين مسؤوليات الاحتلال وعيوب الممارسة الذاتية، أوصل أبناء الأرض المحتلة إلى تقديم قضية محاربة الفساد والإصلاح الديمقراطي على مواجهة إسرائيل وقضية الاحتلال، وذلك بنسبة 59 في المئة في غزة و3,52 في المئة في الضفة، طبقاً لاستطلاع أجري في يونيو 2004.

ولا ينبغي لأحد أن يعزو ترتيب الأولويات على هذا النحو إلى ضلال أو ضبابية في الرؤية الشعبية. الصحيح هو أن الرأي العام يعتقد بأن انتزاع الاستقلال لن يتم إلا عبر مجتمع صلب البنية من الداخل، تسهر على مصالحه وحقوقه قيادات ومؤسسات مبرأة من شبهات الفساد والميوعة النظامية والبحث عن المنافع ومراكز النفوذ ومراكمة الثروات والمكانات الخاصة عوضاً عن متابعة المصالح الوطنية العليا.

كان من أقدار «المجلس التشريعي» الأول أن صعد في أجواء احتفالية صاخبة بالتسوية الموعودة والرخاء المقبل.. حتى شاع الظن بأن فلسطين الدولة باتت قاب قوسين، وأنها علاوة على بلوغ هدف التحرر والاستقلال ستكون المعادل الشرق أوسطى لسنغافورة من حيث مستوى التنمية والتطور الاقتصاديين، وربما ناظرت السويد فيما يخص الديمقراطية وحقوق الإنسان!.

لهذا ونحوه مما ساهم إعلام «ثقافة السلام» في الترويج له، تعلقت بالمجلس آمال عريضة أكثر بكثير من اللازم، فلما تجلت الحقائق المقبضة على مختلف المدارات، من التسوية المهيضة إلى الفقر المدقع والبطالة.

والاعتمادية المفرطة على الدول المانحة، إلى الديمقراطية المفتقدة وضياع الحقوق وانتهاك الحرمات واقتراف الآثام بحق الناس والوطن، لما أن حدث ذلك، تبددت الثقة بالمجلس وبكثير من مؤسسات السلطة اليافعة.

ثم إن دور المجلس في التشريع وسن القوانين والمحاسبة والمراقبة وتطوير الحياة السياسية وقع بين مطارق الاحتلال وقيوده من ناحية، وبين سلطوية القيادة التنفيذية وهيمنتها على صناعة القرار من ناحية أخرى.

كذلك دفع المجلس ثمن القصور الذاتي والضعف المهني ونقص الخبرة بالعمل النيابي لدى كثير من أعضائه، وبخاصة أولئك الذين انتخبوا لأسباب لا صلة لها بالحرفية التمثيلية، كالوجاهة القبلية العائلية أو التنظيمية أو المالية أو السيرة الثورية. فهذه الأسباب قد ترقى بصاحبها اجتماعياً وإعلامياً وسياسياً واقتصادياً، لكنها لا تصنع منه برلمانياً معتبراً.

نحسب في كل حال أن المجلس الثاني الوشيك، إذا ما أجريت الانتخابات في موعدها، سيرث تركة سلفه بعجزها وبجرها. وإذا ما أمعن الناخبون والمرشحون النظر في هذه التركة.

بما لها وما عليها، مع مراعاة الثوابت والمستجدات في البيئات المحيطة بهم وبقضيتهم الوطنية، فلابد أن يؤوب الجميع إلى تجويد التجربة النيابية الفلسطينية وإغنائها.

. الناخبون بحسن الاختيار والمرشحون بحسن الأداء. وسوف يساعد على ذلك في تقديرنا أن هؤلاء وهؤلاء لن يكتبوا على صفحات بيضاء، إذ لديهم سابقة يعتدون بها.

كما أن المجلس المأمول سيكون شاهداً على أول تعددية سياسية وأيديولوجية حقيقية يعرفها النظام الفلسطيني المعاصر، بعد التحاق أكبر قوى التيار الإسلامي (حماس) به وهي على قدر من الندية مع حركة فتح، التي تمتعت طويلاً بالأحادية القطبية في صناعة السياسة والقرار وتبوؤ مراكز الإدارة.

وهذه لعمرك ميزة ربما أنعشت الحركة الوطنية الفلسطينية وقربتها من الممارسة الديمقراطية الحقة، وعززت قواعد البيت الفلسطيني وحوائطه بين يدي مسار التسوية السياسية.

غير أن هذا الرجاء يقتضي قناعة شركاء النظام، القدامى منهم والجدد، بأن العملية السياسية الديمقراطية تحتمل التفاعل بين الرأي والرأي الآخر بعيداً عن عقليتي الاحتكار والإقصاء.

كاتب وأكاديمي فلسطيني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات