في تاريخنا العربي، وفي ذهنيتنا العربية بقينا دهوراً مقتنعين بمقولة «الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا أبداً»، إلى أن جاء حين من الدهر شربنا الغرب حضارة وتقنية واتفاقيات ومصالح، وبالكاد تقبلنا الغرب كأصدقاء مؤقتين لأنه لا يعترف بالصداقة بقدر ما يعبد المصالح، وإلى أن جاءت لحظة في التاريخ سلخنا فيها جلودنا وتاريخنا وأرقنا فيها ماء وجوهنا وصافحنا أعداءنا ببساطة احتساء كوب من الشاي على اعتبار أن هذه المصافحات هي عنوان التاريخ القادم.. أو ربما هي نهاية التاريخ!
مع ذلك فقد ظل اللجوء إلى الخارج عنواناً لحالة لا يمكن أن تتجزأ هي الخيانة، فحين يلجأ معارضون أو متمردون إلى الأجنبي ضد بلاده، مستعينين به لنيل حقوقهم أو لتغيير واقعهم، فإن ذلك لا يعتبر دليلاً على الوطنية ولا على الثورية والنضال فمن يريد أن يكتب مناضلاً فليس أمامه سوى أرضه وتراب وطنه يناضل فوقه، ومن أراد أن ينضم إلى قوافل الثوار والراغبين في الإصلاح والتغيير فليس أمامه أيضاً سوى بلده وأبناء وطنه ودروب بلده.. أما الخارج والأجنبي فلم يدخل القاموس النضالي إلا متأخراً.
اليوم صار اللجوء إلى الخارج موضة ثورجية، وصار الاعتماد على الأطراف الدولية الخارجية طريق من ضل عن الطريق الصحيح، اليوم لم يعد أحد يخجل من الإعلان صراحة بأنه إذا لم تستجب سلطات بلاده لمطالبه فإنه مضطر للجوء إلى جهات خارجية، ومن كان تاريخه مشوهاً ومليئاً بالذنوب فإنه يلجأ إلى الخارج لتلاوة فعل الندامة والتطهر ومن ثم الدخول في سلك الرهبنة الوطنية واعتبار نفسه مناضلاً متبرئاً من أفعال السلطة الفاسدة التي كان يوماً عرابها بل وأبوها الشرعي!
ماذا حدث للعرب يا ترى؟ أي فعل يمارسونه في متوالية الحضارة الإنسانية؟ وأي فعل تغيير يطمحون إلى تكريسه باللجوء إلى الخارج؟ اللجوء إلى الخارج ليس سوى إفلاس حقيقي في سوق الوطنية والتغيير والإصلاح، هذه المفاهيم التي تحولت إلى «أشياء» في سوق النخاسة السياسي برعاية الأطراف الخارجية!
بعض العراقيين لجأوا إلى أطراف وجهات خارجية للخلاص من صدام، وها هم غير قادرين على الخلاص من نفق التخبط، فالذي يأتي من الخارج ليخلصني من الظلم ويعطيني الديمقراطية على طبق من فضة أو حتى من تنك لم يخلق بعد، إنه وهم البعض الذي أعيته الحيلة واستبد به العجز وتغلبت عليه شهوة المناصب والمصالح.. وبعض اللبنانيين يزجون لبنان إلى المصير نفسه، وبعض السوريين يفعلون ذلك، وبعض ال... والـ والـ والبارحة هددت نساء البحرين باللجوء إلى الخارج لتأسيس الاتحاد النسائي البحريني نظراً لمماطلة سلطات بلادهن في الاستجابة إليهن!!
حتى الجمعيات النسائية العربية ستولد من تحت العباءة الخارجية.. عجبي على المناضلين والمناضلات في دنيا العرب!!
sultan@dmi.gov.ae