في مسألة التوطين هناك اتجاهان، وهناك أكثر من فريق، اتجاه ينادي به ويقف معه ومع كل ما يحققه من أشخاص أو قرارات، واتجاه آخر يود من كل قلبه لو أن هذه النغمة تختفي، ولا يعود هناك من يتحدث أو يطالب بالتوطين، باختصار هناك من يتبنى التوطين لأنه يرى فيه أمنه وأمانه ومستقبل وطنه واستقرار مجتمعه وحقوق مواطنيه، وهناك من يرفضه لأنه ضد مصالحه ولا سبب آخر عنده! واعتقد أنه بعد 35 عاماً من قيام الدولة فقد آن الأوان للتفكير باتجاه يخرج بالمسألة من منطقة (العند) وال(مع) إلى منطقة تتناسب وواقع اليوم.

إن الذين يقفون مع التوطين يعتمدون على حق المواطنة والخوف من الآخر (الذي هو الوافد والأجنبي) باعتباره المنافس الشرس، والخطر الماثل دائماً في دنيا الفرص والوظيفة العامة والخاصة، وهنا فإنه في عالم قائم على المنافسة في أجواء المؤسسات وبيئات العمل المختلفة، لم تعد المواطنة وحدها تكفي، يعني لم تعد جدارة الإنسان بالوظيفة نابعة من كونه مواطناً فقط، فهذا الاعتبار لم يعد يتناسب مع الجو العام السائد في المجتمع. ربما كان هذا الاعتبار فعالاً وضرورياً بل ومطلوب الاعتماد عليه في السبعينات والثمانينات، لكنه اليوم لم يعد كافياً على الإطلاق.

يحتاج الشاب المواطن اليوم لأن يعي أن اعتبارات كثيرة تغيرت وعوامل مختلفة قلبت معادلة «أنت مواطن، إذن فأنت الخيار الأول حتى وإن لم تمتلك كل الأدوات المطلوبة»، ولا نريد أن ندخل في الحديث في التفاصيل والمتغيرات، فالواقع أمامنا وكل الأوراق موضوعة على الطاولة، ومن أراد أن يفهم معادلة اليوم فعليه أن يفكر بما آلت إليه الأمور اليوم، لا بما كانت عليه في الأمس القريب، إن اعتبارات اليوم تضع المواطن في عين الاعتبار، ولا نقول بخلاف ذلك، لكننا نقول إنها إلى جانب ذلك تطلب منه الكثير في المقابل، وعليه أن يثبت أنه يملك هذه المطالب والشروط كي يعبر البوابة بنجاح، وهذا ليس عيباً ولا خطأ ولا انتقاصاً من حق المواطنة، العكس هو الصحيح!

إن على الذين يقفون اليوم مع توجه التوطين أن يفعلوا ذلك بصدق وشفافية حقيقية أولاً، بمعنى أن يتحول التوطين إلى برنامج عمل وطني معلن وسياسة وطنية واضحة ومنهاج وطني متكامل، يشتمل على الآليات التي يجب اتباعها، الأحداث التي علينا أن نستخدمها ونوظفها لصالح التوطين، كالتدريب ورفع المستويات المهارية والتقنية وتكريس ثقافة الاحتراف والارتقاء بالمؤهلات والكفاءات، ولابد من تضمين البرنامج فترة زمنية يتعهد القائمون على البرنامج بأنها في نهايتها تكون الدولة قد حققت أهدافاً بعينها، كتوطين القطاع «أ» مثلاً، أو القطاع «ب»، فقد ننتظره سنوات لكننا سنحقق شيئاً في النهاية، وهذا هو المهم، ثم يأتي أهمية وجود جهاز للمراقبة، بحيث نضمن تنفيذ البرنامج بشفافية وجدية مطلقة بعيداً عن المزاجية والمصالح والاجتهادات الشخصية.

إن وجود هذا البرنامج الحكومي الوطني سيعطي انطباعاً أكيداً بوجود إرادة سياسية حازمة تجاه هذه القضية الوطنية الخطيرة، وسيقطع الطريق أمام الاجتهادات المعارضة، وكذلك الأصوات المؤيدة بشكل غوغائي مطلق، ذلك أن القضايا الوطنية من هذا النوع الخطير لا يجوز أن تترك للاستغلال من جانب جهات ومؤسسات وأشخاص يحولونها أمام صناع القرار وأمام أفراد المجتمع إلى دعاية مجانية لمؤسساتهم ليحصدوا من ورائها السمعة والملايين فقط، لأنهم مع التوطين، مع أنهم لا علاقة لهم بالتوطين في حقيقة الأمر لا من قريب ولا من بعيد!

sultan@dmi.gov.ae