رغم حبي وتقديري ـ شأن غالبية المصريين ـ لحزب الوفد القديم بزعامة سعد زغلول ثم مصطفى النحاس لدوره في الحركة الوطنية ومناهضة الاحتلال البريطاني وفساد القصر، إلا أنني لم أضبط نفسي يوماً متلبساً بالتعاطف مع حزب الوفد الجديد منذ عودته إلى الساحة السياسية في بداية الثمانينات.

السبب في ذلك أن الحزب، وبدلاً من تطبيق شعاراته الحقيقية ومواجهة الفساد الحديث والدعوة إلى ليبرالية حقيقية، كرس نفسه فقط، بعد عودته، لمهاجمة ثورة يوليو وزعيمها التاريخي جمال عبدالناصر، هجوم ألصق بالثورة وقائدها كل نقيصة، لدرجة تجعل البعض يعتقد أن عبدالناصر هو المسؤول عن مرض إنفلونزا الطيور!!

رغم ذلك شعرت بحزن حقيقي للانشقاق الحالي في الحزب، ليس تعاطفاً مع نعمان جمعة أو منافسه محمود أباظة، ولكن لسبب رئيسي هو أن انهيار الوفد وتراجعه ـ أكثر مما هو متراجع ـ سيكون له آثار سلبية على مجمل الحياة السياسية المصرية.

الانشقاق الأخير في الوفد ليس الأول ولن يكون الأخير في الأحزاب المصرية، حدث ذلك في أحزاب الناصري والغد والأحرار ومصر الفتاة والانشقاق المفتعل في حزب العمل، وأحزاب أخرى كرتونية كثيرة لا أتذكر اسمها ـ من فرط هامشيتها ـ، وإذا استمر حال هذه الأحزاب كما هو، فليس مستبعداً ان تختفي تماما من المشهد السياسي قريباً.

معلوم بالطبيعة ان الحكومة مسؤولة ومستفيدة من تخريب أحزاب المعارضة، بسبب سياسة قصيرة النظر جعلت الساحة السياسية تخلو من أي أحزاب مدنية، وفوجئت الحكومة في النهاية أن من يواجهها في الشارع هو «البعبع» أو الإخوان المسلمون.

لكن دور الحكومة لا يلغي أن السبب الرئيسي لهذه الانشقاقات هو أحزاب المعارضة نفسها.. فهي أحزاب كان يؤمل ان تلعب دوراً حقيقياً وتنزل إلى الشارع وتستقطب الجماهير وتتبنى قضاياهم، لكنها لم تفعل أياً من ذلك، واكتفت بإصدار الصحف والسعي إلى إرضاء الحكومة وخطب ودها مقابل دعم مالي أو مقعد في مجلس الشورى أو حتى مجرد الحصول على «سيارة فيات» وأحياناً كرافتة!

هي أحزاب ـ ورغم ان بعضها له تاريخ عريق أو تجارب محترمة ـ غابت عن الجماهير، فردت لها الأخيرة الصاع صاعين في الانتخابات البرلمانية الأخيرة.

الحكومة حاصرت الأحزاب نعم، خاصة الجادة منها، وضيقت عليها كثيراً، لكن هذه الأحزاب نسيت انه لا إصلاح أو جماهيرية من دون ثمن، ومن دون تضحيات وسجون ودفاع حقيقي عن مصالح الناس، هي أحزاب تضم كثيراً من الشرفاء والمحترمين، لكن المشكلة ان هؤلاء مغيبون ومبعدون من أجل حفنة من الانتهازيين.

لسوء الحظ أنه ليس هناك أسوأ من الحكومة في مصر إلا المعارضة، ولك الله أيها الشعب المصري المغلوب على أمره.!

emadiraqi@yahoo.com