كانت إيران ساحة للنفوذ البريطاني حتى عام (1951) عندما جاء الدكتور محمد مصدق رئيساً للوزراء وأمم النفط (1952)، ووجدت السياسة البريطانية نفسها عاجزة عن فعل أي شيء جدي للتغلب عليه والمحافظة على امتيازاتها لأنه كان مدعوماً بالبرلمان الذي تؤيده أكثريته وبجماهير الشعوب الإيرانية التي تناصره، وترافق ذلك مع خوف الشاه محمد رضا بهلوي من عواقب إصدار مرسوم بإعفاء مصدق من رئاسة الحكومة، ولم تجد الحكومة البريطانية بداً من التعاون مع الولايات المتحدة وخاصة مع المخابرات الأميركية لإيجاد حل لمشكلة مصدق والتراجع عن تأميم النفط ومحاصرة الشعب الإيراني حتى لو أدى الأمر لدخول الأميركيين شركاء في إيران، وهو ما كانت السياسة البريطانية تخشاه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ولا ترغبه، لكنها اضطرت للتواطؤ مع الإدارة الأميركية ومخابراتها وحاكت مؤامرة استطاعت بها ومعها من الانقلاب على مصدق والمجيء بالجنرال زاهدي رئيساً للوزراء وإعادة الشاه إلى عرشه بعد أن كان قد فر للعراق ومن ثم إلى روما.
وأتاحت تلك الأحداث للولايات المتحدة أن تكون منذ ذلك الوقت شريكاً في إيران مع بريطانيا ثم شريكاً رئيسياً بعد ذلك ثم مؤثراً وحيداً وأماً حنوناً لنظام الشاه حتى قيام الثورة عام 1979 ونجاحها، وقد كان العداء للولايات المتحدة على رأس شعارات الثورة، التي ما لبث حرسها أن حاصر السفارة الأميركية وكان فيها أربعمئة أميركي تحولوا إلى رهائن، وصُنفت الولايات المتحدة على أنها الشيطان الأكبر. ومنذ قيام الثورة حتى الآن ما زالت العلاقات سيئة بين الطرفين، وازدادت سوءًا مع مجيء إدارة الرئيس بوش الابن الذي وضع إيران ضمن ما أسماه (محور الشر) وبقيت التناقضات القائمة بين السياستين حتى أيامنا هذه.
إلا أن العداء المتواتر بين البلدين لم يمنعهما من عقد صفقات غير مباشرة وغير مرئية وتنفيذ اتفاقات ضمنية وصلت إلى توافقات بمعنى من المعاني في أفغانستان حيث قدمت إيران دعماً للسياسة الأميركية ومساعدات لا شك فيها مباشرة أو مداورة، وفي بلدان آسيا الوسطى المجاورة والمتوافقة مصالحها مع مصالح إيران، وأخيراً في العراق، حيث لم تقاوم السياسة الإيرانية وجود الجيوش الأميركية وممارستها كما ينبغي بل منعت أنصارها من إعلان المقاومة المسلحة وما زالت تمنعهم، وتركت الإدارة الأميركية طليقة اليد مقابل أن تؤسس السياسة الإيرانية للوجود الإيراني الفعلي في العراق بفتح الباب لأنصارها للمشاركة الفعالة والكثيفة في السلطة والنفوذ، وتقوية ميليشياتهم وتسليحها ودعمها، وإحداث تراكم وبناء أساس مادي صلب للوجود الإيراني والتأثير الإيراني، حتى أصبح من الصعب جدا على الولايات المتحدة الآن تجاهل النفوذ الإيراني في العراق أو زحزحة هذا النفوذ أو حتى منع تأثيره على بلدان الخليج المجاورة، وغدا العراق خط دفاع عن إيران أمام التهديدات الأميركية ومحط ممانعة إن لم يكن مصدر قوة إيرانية قادرة على الدخول كعامل مهم في الخلاف الإيراني الأميركي في المنطقة يحسب له ألف حساب.
من جهة ثانية، استفادت السياسة الإيرانية من الصراعات القائمة في المنطقة والظروف التي مرت بها خلال ربع القرن الماضي، والتناقضات التي حصلت داخلها وحولها، فدخلت شريكاً في الداخل اللبناني بشكل غير مباشر عن طريق دعمها لحزب الله وأصبحت بالتالي ذات دور في السياسة اللبنانية وفي الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وأقامت في الوقت نفسه علاقات متينة مع سوريا على أكثر من صعيد وهي في طريقها لتطوير هذه العلاقات إلى درجة التحالف. وصار من الصعب على أحد تجاهل دور إيران اللبناني والسوري وتحالفاتها في هذين البلدين. مما يصح معه القول إن خطوطها الدفاعية وصلت أيضا إلى البحر المتوسط مهما كانت قوة هذه الخطوط، وهكذا يلاحظ امتداد الخطوط الدفاعية الإيرانية من طهران إلى بيروت بطريق تحالفات وعلاقات مع قوى شعبية ومع حكومات ومن خلال ظروف وشروط قائمة في حيز الواقع.
لا يصح الافتراض أن الولايات المتحدة مشلولة القوى تجاه إيران، فلا شك أن لديها أوراقا عديدة تلعب بها، وقوى حقيقية تستخدمها في خلافاتها «أو صراعاتها» مع السياسة الإيرانية، إلا أن الواقع يشير أيضا إلى وجود أوراق تمتلكها السياسة الإيرانية ذات أهمية كوجود خطوط دفاعية عديدة يتوجب على الولايات المتحدة اجتيازها قبل الوصول إلى إيران، سواء منها ما هو في أفغانستان أم في آسيا الوسطى أم في لبنان وسوريا والعراق، فقد حققت إيران مواقع لدعم سياستها في المنطقة كلها والمحيط كله، ولم يعد سهلا على الولايات المتحدة ولا على غيرها تجاهل هذه المواقع واستمرار التعامل مع إيران في إطار حدود الدولة الإيرانية وافتراض إمكانية عزلها فقد تعاظمت القوة الإيرانية «والتواجد الإيراني» خلال العقدين الماضيين، ويحتاج تفكيكها لجهود أميركية كبيرة ولزمن ليس بالقصير مهما كانت القوة الأميركية عاتية والظروف الداخلية الإيرانية صعبة، وربما تلقي هذه الفرضية الضوء على التردد الأميركي تجاه السياسة النووية الإيرانية، وقبول الولايات المتحدة الوساطة الأوروبية وعدم إيصال الضغط لحدوده القصوى، وفي الوقت نفسه التصلب الإيراني الذي يبدو ظاهريا وكأنه مغامرة وهو في الواقع ليس كذلك لأنه ينطلق من مصادر قوة موجودة على الأرض تلامس شؤون المنطقة كلها.
يبدو أنه من غير الحكمة تجاهل التأثير الإيراني من أفغانستان حتى البحر المتوسط ومن وسط آسيا حتى خليج هرمز، ومع أنه لا ينبغي التوهم أن هذا التأثير يشكل نفوذاَ بالمعني الإمبراطوري كما كانت إيران تحلم تاريخاً وربما مازالت تحلم به حتى الآن، إلا أنه نفوذ يجعل من إيران شريكا في تعقيد مشاكل المنطقة أو في حلها في ضوء مصالحها، ولابد من الاعتراف بأن السياسة الإيرانية بنت هذا التأثير ببطء لكن بثبات خلال ما يقارب العقود الثلاثة، وسواء تجاهلت الولايات المتحدة التأثير الإيراني أم جهلته فذلك لا يغير من الواقع شيئا، لأنها الآن مضطرة في النهاية إلى أن تحسب حسابه.
في ضوء هذا كله أكرر مرة أخرى أنه يمكن فهم الموقف الأميركي من السياسة النووية الإيرانية الحذر والمتردد واقعيا «مع المزيد من التهديد» وفهم الموقف الإيراني الذي يبدو متصلبا تجاه الضغوط الأميركية والأوروبية، ويبدو أن لكل من الطرفين أوراقا يلعبها وأدوات يستخدمها في صراعه مع الآخر، ومن الملاحظ أن الموقف العربي شبه غائب عن هذا كله مع أن يده في النار، ولكنه بالكاد يسمع صدى ما يجري.
كاتب سوري