نحتفل هذه الأيام بذكرى الدكتور مارتن لوثر كينغ الذي ما زالت رؤيته التي عبر عنها بالقول والفعل تشكل مصدر إلهام للأجيال المتعاقبة. عبارته الشهيرة «لدي حلم» ستتردد في صفوف المدارس في أنحاء أميركا. تلاميذ المدارس ومعدو البرامج التلفزيونية سوف يذكّرونا برؤيته لأميركا يحكم فيها على الآخرين بجودة شخصيتهم لا بلون بشرتهم. والرئيس بوش بدوره سيكيل المديح لدكتور كينغ في عيد ميلاده. لكن لا ينبغي لنا أن نلمّع صورة كينغ للاستهلاك الإعلامي. لقد كان لديه حلم، لكنه لم يكن حالماً. كان خطيباً مفوهاً، لكنه لم يكن شاعراً.

كينغ الذي قال ذات يوم: «تذكروني كقائد أوركسترا العدالة» تعرض للاعتقال والرجم بالحجارة والطعن والتنصت والازدراء والكراهية طيلة حياته. كان مدير الـ «إف بي آي» في حينها إدجار هوفر يمقته، ولقد سعى مكتب التحقيقات الفيدرالي لتدمير سمعة كينغ حتى بعد موته.

كهنوية كينغ كانت مثيرة للجدل لأنها كانت مخلصة لمبادئها. وفي عيد ميلاده الأخير في حياته أمضى كينغ الصباح في بناء تحالف من مختلف الأعراق لتنظيم حملة تخرج إلى واشنطن للمطالبة بشن حرب حقيقية على الفقر. توقف لتناول الغداء مع عائلته وبعض الأصدقاء، وأحضر كوادره بعض الكعك إلى المائدة. وفي تلك الظهيرة تحدث مع موظفيه عن معارضته للحرب في فيتنام. وبعد ذلك بقليل خرج في تظاهرة في ممفيس تضامناً مع عمال النظافة الذين كانوا ينظمون إضراباً عاماً.

في سباق التتابع، يأخذ العداء الهراوة عند النقطة التي يغادر فيها عداء آخر السباق. وكان الدكتور كينغ يفهم هذا جيداَ. وفي خطابه الأخير في ممفيس تحدث عن الأخطار التي تتهدد حياته، مؤكداً ان الأمر لم يعد يهمه الآن لعلمه بأننا سنصل إلى أرض الميعاد، وقال: «ربما لا أصل إلى هناك معكم، لكني واثق اننا سنصل إلى أرض الميعاد». إذا أردنا حقاً تخليد ذكرى الدكتور كينغ، فعلينا أن نحمل شعلته ونواصل مسيرته في سبيل العدالة.

ويبدأ هذا باتحاد الأميركيين معاً لنصرة الفقراء والمستضعفين. كان الدكتور كينغ يدرك أن لسيمفونية الحريات حركات عدة كانت الأولى ضد العبودية التي انتهت أخيراً بعد حرب أهلية فظيعة. وكانت المعركة الثانية ضد الفصل العنصري القانوني التي قادها وكسبها كينغ. وكانت الحركة الثالثة التي تلت ذلك مباشرة من أجل حق التصويت وتمخض عنها قانون حقوق التصويت بعد 41 عاماً من الكفاح. وبعد ذلك أتت الحركة من أجل العدالة الاقتصادية التي كان كينغ يقودها عندما قتل.

والآن أصبحت تلك الحركة أهم من أي وقت مضى. لقد وصل الظلم إلى مستويات لم تشهد أميركا مثلها منذ أواخر القرن التاسع عشر. فهذه الإدارة والأغلبية اليمينية التي تهيمن على الكونغرس تغدقان التخفيضات الضريبية على أصحاب المليارات، بينما تخفضان القروض الدراسية التي يستفيد منها الفقراء، وتقلصان الدعم الحكومي للتدفئة للمسنين وترفعان تكاليف الرعاية الصحية.

إن الأغلبية الجمهورية في الكونغرس، بقيادة توم ديلاي المتهم بجرائم غسيل أموال، تخترع ثغرات جديدة لرؤساء الشركات التنفيذيين الذين يتقاضون رواتبهم السنوية بملايين الدولارات، بينما تعارض رفع الحد الأدنى لأجور العمال والذي لم يعد كافياً لإبقاء أي أسرة من ثلاثة أفراد فوق خط الفقر. وهذه الأغلبية الجمهورية نفسها حصلت على ملايين الدولارات من تبرعات شركات الأدوية ثم قامت بتمرير قانون يحظر على نظام الرعاية الطبية الحكومي «مديكير» التفاوض مع الشركات للحصول على سعر أفضل للأدوية التي يحتاجها المسنون.

في خطابه التاريخي أمام كنيسة ريفر سايد في معارضة حرب فيتنام قال كينغ: «يأتي وقت يصبح فيه الصمت خيانة» ولو كان الدكتور كينغ حياً الآن في زمن حرب العراق، لناشد الزعماء الدينيين بوقف وعظهم بالوطنية الناعمة الملساء والانتقال إلى التبشير بالمعارضة الصارمة القائمة على ما يمليه الضمير وقراءة التاريخ. لقد شجب الدكتور كينغ حقيقة أن شبان أميركا كانوا يرسلون إلى فيتنام لضمان الحريات في جنوب شرق آسيا، مع أنهم هم أنفسهم لم يجدوا هذه الحريات في جنوب شرق ولاية جورجيا».

ولو كان مارتن لوثر كينغ موجوداً اليوم لشجب هذه الإدارة التي ترسل الشبان والشابات إلى العراق ليقاتلوا من أجل الديمقراطية في بلد لا يريدهم هناك، في وقت تعاني بلداتهم ومدنهم في أميركا من فقدان الوظائف وجفاف الفرص ولا يزال حتى حقهم في التصويت عرضة للهجوم.

إن الرسالة الأخلاقية التي حملها الدكتور كينغ في حياته وما زلنا نعبر عن تقديرنا لهذه الرسالة الأخلاقية إلى الآن، ويجب أن تساعدنا في تقويم أولويات أمتنا، لقد ناشدنا بأن ننهض لنصرة العدالة، ودعا إلى مجابهة الظلم بدون عنف. كان يفهم أنه إذا وقف المواطنون أصحاب الضمائر الحية، فسيكون بمقدورنا فعل المعجزات وجعل أميركا مكاناً أفضل. لم يفعل أحد قط أكثر مما فعله كينغ لتوحيد أميركا. وإذا أردنا الاقتداء به علينا التحرك في يومنا هذا.

خدمة «لوس أنجلوس تايمز» خاص بـ «البيان