العراق ... أرق يتفاقم في أميركا ـ د. محمد عاكف جمال

العراق ... أرق يتفاقم في أميركا

هنالك فرق كبير، بين المُتوقع، وبين ما يحصل، على أرض الواقع، إذ أن حسابات الحقل، غير حسابات البيدر، فما هي إلا شهران، وينتهي العام الثالث، على الاحتلال الأميركي للعراق، وسط أجواء تبعث على التشاؤم.

وخيبة الأمل، مما حققته الولايات المتحدة، في العراق. إذ تواجه إدارة الرئيس بوش، وبثقة أقل مما مضى، الرأي العام الأميركي، الذي بدأ يصعد من ضغوطاته، ويبدي قلقاً جدياً، من ارتفاع حجم الخسائر، ومن الكلفة المالية الباهظة، لهذه الحرب، وآثارها على مستقبل، الاقتصاد الأميركي.

تبلغ تكلفة الحرب الشهرية، في العراق، أربعة مليارات ونصف، حسب المصادر الأميركية، وقد بينت دراسة تفصيلية، نشرت مؤخراً، بأن التكلفة الكلية، لهذه الحرب، قد تتخطى حاجز ترليوني دولار ( ألفا مليار دولار).

وهذا الرقم المخيف، يفوق كثيراً، حسابات البيت الأبيض، عشية اتخاذ قرار الغزو. فالباحثان، جوزيف إستيجليتس، أستاذ الاقتصاد، في جامعة كولومبيا، والباحثة ليندا بيلمز، من جامعة هارفارد، اللذان قاما بهذه الدراسة، قد أخذا بنظر الاعتبار، النفقات غير المنظورة للحرب.

وأبرزها دفع التعويضات، للجرحى والمعوقين، الذين يزيد عددهم على الستة عشر ألفاً، عشرون بالمئة منهم، إصاباتهم خطيرة، في المخ أو العمود الفقري.

كما أن من تداعيات هذه الحرب، عزوف واضح، لدى الشباب الأميركي، عن الانخراط، في صفوف القوات المسلحة، مما حدا بالإدارة الأميركية، إلى إضافة حوافز جديدة للمنتسبين، وإثقال كاهل الميزانية بذلك. وفي ضوء ذلك، فقد توقع الباحثان، المشار إليهما آنفاً، أن يتباطئ، النمو الاقتصادي، في الولايات المتحدة.

وعلى أديم أرض السواد، سالت الدماء بغزارة، خلال سني الاحتلال هذه، وسيسيل المزيد منها، في المقبل من الأيام، كما يتوقع الجميع، وأولهم الرئيس الأميركي نفسه.

عُقد في الخامس من يناير الجاري، اجتماعاً موسعاً، في البيت الأبيض، بناءً على طلب الرئيس بوش، دعى إليه، الساسة الأميركيين من الحزبين، الجمهوري والديمقراطي، الذين شغلوا منصبي، وزارة الخارجية ووزارة الدفاع، والذين ما زالوا على قيد الحياة.

وكان الغرض من هذا الاجتماع، كما أعلن، هو تبادل الرأي، وتسليط المزيد من الضوء، على ما حققته الإدارة الأميركية، من إنجازات، في العراق.

المتابع للشاشة التلفزيونية، يرى وجوهاً قديمة، كانت من طاقم الرئيس الراحل، جون كندي، مثل وزير دفاعه، روبرت ماكنمارا، الذي عمل، مع الرئيس جونسون، فيما بعد، وقد حضر الاجتماع، وجلب معه سنينه، التسع والثمانين، و ذكرياته عن سنين الرعب، التي عاشتها، القوات الأميركية، في فيتنام.

كان بوش، حريصاً على أن يوحي للمجتمعين، بأن إدارته، منفتحة على جميع الآراء، فقد قال « ليس كل الجالسين، حول هذه المائدة، اتفقوا مع قراري، بغزو العراق، وأنا أتفهم ذلك تماماً »، ثم اضاف بأنه يود أن « يستمع إلى مخاوفهم واقتراحاتهم، بشأن كيفية المضي قدماً » ويؤكد «سأحمل النصيحة، على محمل الجد».

وقد استمع الحاضرون، إلى عرضٍ، لما جرى ويجري، على الساحة العراقية، عسكرياً وسياسياً. فقد قام الجنرال جورج كيسي، القائد العسكري الأميركي العام، في العراق، بالمهمة الأولى، وأعقبه السيد زلماي خليل زادة، السفير الأميركي في بغداد، وقام بأداء المهمة الثانية، ولم يكن أياً منهما، فخوراً بما أُنجز، بعد مضي ما يقرب من ثلاث سنوات.

فعلى المحور العسكري، وبالرغم من وجود، ما يزيد على 160 ألف جندي أميركي، إضافة إلى ما يقرب من، ربع مليون منتسب، إلى الشرطة العراقية، وإلى الحرس الوطني العراقي، فالأمن بالنسبة للمواطن العراقي، قد أصبح حلماً صعب المنال. أما على المحور السياسي، فقد أدت الانتخابات العراقية الأخيرة.

وللمرة الثانية، خلال عام واحد، إلى صعود نخب سياسية، إلى مراكز صناعة القرار، يدعمها جمهور كبير، ليس له ما يربطه، مع الولايات المتحدة، غير ودٍ مفقود.

وقد تجاهل المتحدثان، كل ما يمت بصلة، إلى معاناة الإنسان العراقي، فلم يجر الحديث عن الواقع الاقتصادي المتردي، وعن الأزمات الخانقة، ولا عن تراجع مستوى تصديرالنفط، المصدر الوحيد، للدخل في العراق، إلى دون ما كان عليه، قبل الاحتلال. ولم يتكلم أحد منهما، عن التصفيات الجسدية المنظمة، للكفاءات العراقية.

حيث بلغ عدد الأكاديميين (أساتذة الجامعات)، الذين قتلوا، أكثر من مئتين وخمسين، وأُجبر أضعاف هذا العدد، على مغادرة العراق، تحت طائلة التهديد بالقتل. ولم يتطرق أحد منهما، إلى ظاهرة انتشار المخدرات، في العراق، ولا إلى الفساد الإداري والمالي، المتفشي في أجهزة الدولة، ولا إلى حجم البطالة.

فما هي الدوافع الحقيقية، التي تكمن، وراء هذا اللقاء، غير التقليدي؟، فليس الأمر، مجرد تبادل في وجهات النظر، مع الساسة المخضرمين، من الحزبين، وإن كان هذا هو أحد الأهداف، بكل تأكيد، بل هنالك أهداف أخرى منها:

1- قناعة الإدراة الأميركية، بأن بقاء قواتها في العراق سيطول، وفي هذه الحالة، فإن من الضروري، من وجهة نظرها، توظيف قنوات متعددة، لجعل الرأي العام الأميركي، يتقبل ذلك، أو يخفف، على الأقل، من حدة مواقفه، تجاه هذه المسالة.

خاصة حينما تصدر، آراء لا توافق على الانسحاب، من قبل خبراء عسكريين مرموقين، خارج المؤسسة السياسية الحاكمة، مثل الجنرال ألكسندر هيغ، الذي شغل منصب، القائد العام، لقوات حلف الأطلسي، ثم وزيراً للخارجية، ابان رئاسة رونالد ريغان. فقد صرح هيغ، بعد انتهاء اللقاء، بأن الانسحاب العسكري، من العراق، يحدده الواقع على الأرض.وليس قراراً يصدر في واشنطن.

2- إن السياسة الأميركية في العراق، هي في الحقيقة، مرآة لسياستها المقبلة، في الشرق الأوسط، لا سيما وان الملف العراقي، قد يتوسع، ويضاف إليه، ملفات أخرى، فهنالك دولتان أخريان مرشحتان، لأن تكونا، في دائرة الاستهداف الأميركي، وهما إيران وسوريا. فربما حرصت الإدارة الأميركية، على استشراف، مواقف أشخاص مؤثرين، في الساحة السياسية، من خارج الكونغرس ومجلس الشيوخ، حول ذلك.

3- الضغوطات الانتخابية، إذ ستجرى، انتخابات التجديد النصفي، للكونغرس الأميركي، في نوفمبر، من هذا العام، ورغم أن الرئيس نفسه، ليس تحت ضغوط انتخابية، فهو في ولايته الرئاسية الثانية، إلا أن حزبه كذلك.

4- الاستفادة من دعم، هذا العدد الكبير، من الساسة المخضرمين، الذين رغم كونهم، لا يشغلون، في الوقت الحاضر، مواقع سياسية، إلا أن تأثيرهم، لا يزال غير قليل، على الرأي العام الأميركي.

majamal@emirates.net.ae

كاتب عراقي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات