الليبرالية والليبراليون العرب

الليبرالية والليبراليون العرب

تعني الليبرالية حرية الفرد بالاختيار باعتبارها أساساً لفلسفة المجتمع والدولة، وقد نمت الليبرالية مع نشوء البورجوازية وتطورت مع الرأسمالية ونضجت خلال الثورة الصناعية في أوروبا، وأخيراً ومع هيمنة الاحتكارات والعولمة أخذت شكلاً جديداً سمي بالليبرالية الجديدة، وكانت في كل مرحلة تؤقلم مضامينها ومفاهيمها كي تتواءم مع مصالح الأنظمة الرأسمالية.

اصطدمت الليبرالية في نشوئها الأول بالنظام الإقطاعي الذي كان سائداً في أوروبا في القرن السابع عشر وتناقضت مع الحكم الكنسي، وبعد انتصار الرأسمالية أقامت الدولة ـ الأمة، ووحدت الإقطاعيات في البلد الواحد وبنت نظاماً سياسياً يعتمد بالدرجة الأولى على الحرية الفردية التي اتسع مفهومها خارج نطاق الأفراد ليحدد معايير جديدة للدولة الرأسمالية تقوم على احترام التعددية وحرية الرأي والتعبير والصحافة وإشادة نظام برلماني أساسه التمثيل البرلماني والانتخابات وحكم القانون وفصل السلطات، والسماح بحرية مرور البضائع بين أجزاء البلد الواحد (أي بين الإقطاعيات) وتطبيق الشعار الشهير (حرية العمل وحرية المرور) فضلاً عن حرية التفكير وتحرير الفكر من سيطرة العصور الوسطى وفتح الباب للإبداع العلمي والأدبي والفني وهو ما سمي بعصر الأنوار، وهكذا أسست الليبرالية النظام الذي أطلق عليه فيما بعد النظام الديمقراطي البورجوازي أو الأوروبي.

واجهت الليبرالية ممانعة من الطبقة العاملة والفقراء والحركات الاجتماعية في مجال مفهوم الدولة والنظام الرأسمالي الحر مما عدل مفاهيمها فاضطرت أن تلّون سياساتها الاقتصادية بالعدالة وتكافؤ الفرص. وتغير بعض مواقفها من وظائف الدولة، فأعطت لها دوراً مؤثراً نسبياً في حياة المجتمع وحقاً في التدخل هنا وهناك، كما قبلت بتقديم خدمات اجتماعية وصحية وتربوية وغيرها (كالصحة والتعليم والضمان الاجتماعي والتقاعد..الخ) وكان ذلك كله خضوعاً لضغوط الحركات العمالية والشعبية والاجتماعية، وفيما بعد لضغوط الأحزاب والحركات الشيوعية إن لم يكن خوفاً منها، وقد استكملت الرأسمالية الليبرالية دولتها ومفاهيمها وقيمها طوال قرون عدة.

تطورت الرأسمالية الصناعية إلى احتكارات وانتقلت هذه إلى مرحلة جديدة هي الشركات متعددة الجنسية، وانتهت الحرب الباردة، وقفزت السياسات الاحتكارية والشركات متعددة الجنسية قفزة جديدة، معتمدة على نظرية متكاملة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، عنوانها العولمة واقتصاد السوق والخصخصة والتكيّف والتضييق على دور الدولة في حياة المجتمع، وإطلاق المنافسة من دون ضوابط انطلاقاً من فرضية أن تراجع دور الدولة يعطي السلطة الحقيقية لعوامل السوق باعتبار أن آليات السوق تحقق التوازن، وضيقت على أو ألغت الخدمات الاجتماعية والثقافية والصحية وغيرها.

ونشّطت دور اتفاقات التجارة العالمية لتجعل العالم كله سوقاً مفتوحة للاحتكارات ومنتجاتها واستثماراتها، ولتخلق من الرأسمالية والعولمة نظرية نهائية للتطور العالمي أي لنهاية التاريخ، وتغيرت بالتالي وظائف الدولة ومفهوم الديمقراطية وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية وحقوق السيادة وحق تقرير المصير وغيرها لتتواءم مع المصالح الجديدة للاحتكارات التي أصبحت تسمى الليبرالية الجديدة وأضاف إليها المحافظون الجدد في الإدارة الأميركية الحق في التدخل بشؤون الشعوب.

اختلط الأمر على بعض المثقفين العرب الليبراليين القدامى والجدد (وبعضهم من القوميين والماركسيين) بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة، وفطنوا متأخرين لأهمية الديمقراطية التي خلطوا بينها وبين أفكارالليبرالية الجديدة، وانحازوا إلى النظرية الليبرالية القديمة وهي الأكثر ديمقراطية وعدالة، لكنهم تجاهلوا أن المفاهيم الليبرالية القديمة تغيرت مع نشوء (وانتصار) الليبرالية الجديدة، فأصبحت الديمقراطية التي ينادون بها غير موجودة في برامج الليبراليين الجدد كما كانت سابقاً لأنها أخذت مرتسمات أخرى ركزت على البعد الفردي النفعي وعلى الحريات الاقتصادية المنفلتة واقتصاد السوق المتوحش والأشكال الديمقراطية الغربية الشكلية وتراجع دور الدولة ..الخ.

لم ينتبه الليبراليون العرب أن الحاجة ماسة في بلادنا لربط الحرية بالتحرر، والديمقراطية بحاجات المجتمع الذي يتطلع في المرحلة الحالية لدولة لها وظائف حقيقية وليست دولة تنسق بين فئاته فقط، وإن واقعنا العربي القائم يحتاج ديمقراطية تتواءم مع مرحلة التطور الحالية وإلى تحرر اقتصادي واجتماعي قبل الحرية الفردية النفعية المنفلتة، خاصة وأن ملايين الفقراء وهم الأكثرية الساحقة في بلادنا العربية ما زالوا بحاجة لخدمات الدولة الاجتماعية وللضمان والمساعدة فضلاً عن الخلاص من التبعية السياسية والاقتصادية، والتمسك بالعقد الاجتماعي الذي يوازن بين مصالح فئات المجتمع كلها ويلجم تغول فئة على فئة، حقاً إننا بحاجة للديمقراطية، ولكن لا ينبغي الخلط بين الديمقراطية والليبرالية، فالأولى ليست رديفاً للثانية بالمطلق، وإن كان لابد أن نكون ليبراليين فلننتسب لليبرالية القديمة ونتمسك بالتحرر والديمقراطية ودور الدولة وبالعدالة الاجتماعية وقبل هذا وذاك لنتذكر العلاقة بين الحرية والتحرر.

إن دولنا العربية مازالت في مرحلة ما قبل الدولة الحديثة ومرجعياتها كذلك، ونحن ولاشك بحاجة للديمقراطية لإقامة الحكم الصالح وتأكيد مرجعية المواطنة وتحقيق المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص، وفي الوقت نفسه وعلى التوازي فإننا بحاجة للتحرر السياسي والاقتصادي بما يعني بناء مجتمعاتنا الحرة والمتحررة وثقافتنا القومية وهويتنا الوطنية، وهذه كلها غير واردة في برامج الليبراليين الجدد، ويبدو أن الليبراليين العرب على حافة منزلق يوصلهم إلى التحالف مع الليبراليين الجدد معتقدين أن الليبرالية الجديدة كالقديمة، وأنها مفتاح الخلاص كما كان شأنها في أوروبا.

يتجاهل بعض الليبراليين العرب أن امتنا لم تصل بعد لمرحلة الدولة الأمة، ومازالت بعض أراضيها بل وبلدانها محتلة، وشعبنا لم يستكمل تحرره بعد، وتعمل الليبرالية الجديدة (والمحافظون الجدد) لتكريس هذا الواقع، وبالتالي فالحذر ضروري عندما يتبنى المثقفون العرب والنخب العربية النظرية الليبرالية ذلك أن منزلق الدخول في شرك الليبرالية الجديدة يقودهم إلى التخلي عن مصالح المجتمع وهويته وثقافته، في الوقت الذي يعتقدون فيه أنهم وجدوا طريق الخلاص.

تقدم الليبرالية الجديدة ديمقراطية أخرى، وتمسخ دور الدولة ووظائفها وتطلق العنان لاقتصاد السوق والخصخصة على حساب الفقراء والمجتمع كله وتلغي المكتسبات الاجتماعية والثقافية وغيرها التي تحتاجها المجتمعات النامية، ولعل الليبراليين العرب لا يريدون هذه الليبرالية، ويبدو أنهم مازالوا يتعاملون مع معطيات القرن العشرين ونحن في قرن آخر، خاصة وأن الليبرالية الجديدة تعارض آمالهم كلها وأخلاقهم كلها وتدخلهم في برزخها الذي لا نهاية له، تحت شعارات الحرية التي يرغبها الجميع ولكن مع ضرورة فهم مرتسماتها على الأرض.

هناك مفاهيم عديدة للديمقراطية وكذلك لليبرالية، ولاشك بأهمية الديمقراطية لمجتمعاتنا العربية، ولكن أية ديمقراطية نريد وأية ليبرالية نتبنى، ذلك هو السؤال الذي يحتاج لجواب.

كاتب سوري

طباعة Email
تعليقات

تعليقات