أبجديات

ما بالهن يعشقن الماضي؟

كل الأمهات، وكل الجدات، يجمعن على أن الماضي هو الأجمل، وعلى أن الأيام السالفات كانت الأكثر بهجة ورومانسية. في ذاكرتهن يختزن العمر، كل التفاصيل التي تقود عند استرجاعها إلى آه.. آه طويلة جداً يتكدس فيها الشجن بشكل يمكنك ان تشمه وتقبض عليه بيديك حين ترويه لك جدتك أو أمك. فما بال هاته النسوة مغرمات بالماضي إلى هذا الحد؟ مع أن اليوم يرفل في النعيم والراحة بشكل لا يصدق!

جدتي تتذكر أهلها الذين رحلوا جميعهم، وكذلك رفيقاتها وجاراتها وبقيت هي حارسة على بوابة الذكريات.. عين على العمر الذي ولى وعين حائرة على اليوم الذي تعيشه حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً. أمي تتذكر صديقات الأمس، شقاوات البنات، الجلسات التي لا تنتهي، الزيارات التي تلم الكل تحت سماء تعبق بالبساطة، تتذكر أبي الذي رحل، وجدي الذي لم يكف حتى قبل وفاته بأيام عن زيارتها متوكئاً على عصاه، تتذكر أنه لا أحد اليوم يزور أحداً بالبساطة القديمة والطيبة القديمة.. بساطة الزمن الجميل وطيبته!

صديقتي تقول: لا الزمن الماضي جميل ولا الحياة الماضية كانت رائعة كما تحكي عنها الجدات والأمهات، بل الحياة كانت قاسية وكل شيء كان تعيساً ومنهكاً، لا شيء يمكن الحصول عليه بسهولة، حياة الناس كانت صعبة، ظروفهم صعبة، أحوال الرجال، أحوال المعيشة، لقمة العيش، تربية الصغار، متطلبات تمرير الأيام والليالي، في الصيف الشديد الحرارة وفي الشتاء القاسي البرودة، كل شيء كان صعباً، الأمراض، الفقر، الجهل، وأشياء لا تعد ولا تحصى.. فكيف يتوافر الجمال والهناء وسط كل هذا البؤس؟

جارتنا المسنة، تعتقد أن الصحة والشباب كانا كفيلين في الماضي بجعل كل صور البؤس والتعاسة، التي يتحدث عنها جيل اليوم، أمراً يمكن معالجته والتغلب عليه، بل وتجاوزه، وإلى جانب الصحة والشباب، فهناك مبدأ لا يعرفه أهل الحاضر هو حين «تتآلف القلوب على الرضا» وقد كان الناس بالأمس يقفزون على بؤس نهارهم بالتآلف، وعلى تعاسة لياليهم بالرضا، فغدا كل شيء في نظرهم جميلاً حتى اليوم!

نحن نقول في أحاديثنا وأمثالنا: «الجنة بلا ناس ما تنداس» والحق تبارك وتعالى يقول: «رب لا تذرني فردا» وابن خلدون يقرر حقيقة خلاصتها: «الإنسان كائن اجتماعي بالفطرة لا يمكنه الحياة منفرداً» ولهذا كله تعتبر الجدات والأمهات الماضي هو زمنهن الأجمل لأنه الزمن الذي كان يعبق بالغادين الرائحين من الجيران والأصدقاء والأهل، الذين كانوا يزينون الجلسات والأيام وكل العمر.

sultan@dmi.gov.ae

طباعة Email
تعليقات

تعليقات