استوقفني قبل أيام وأنا أتصفح إحدى جرائدنا المحلية خبران ينطويان على قدر كبير من المفارقة، التي تولّد في النفس إحساسا غريبا يمزج الدهشة بالحزن، ويزرع فيها حيرة حين لا تعرف كيف تتفاعل مع ما تقرأ!
الخبر الأول يحمل عنوان (الإنترنت في المدارس الحكومية خلال فبراير)، وقد جاء في الصفحة الأولى مع الإشارة إلى أن له تفاصيل اخرى في إحدى الصفحات الداخلية في الجريدة ذاتها.
ويحمل الخبر الثاني عنوان (21 مدرسة في الفجيرة تفتقر إلى أمناء مكتبات)، وقد جاء في الصفحة الداخلية ذاتها التي جاءت فيها تتمة الخبر السابق ذكره.
وتأتي المفارقة في هذين الخبرين من زاويتين: الأولى أن الخبر الأول يحاول أن يعكس مدى التقدم الذي تحرزه وزارة التربية والتعليم، ويبيّن حرصها على مواكبة العصر الإلكتروني وذلك من خلال إدخال التقنية الحديثة للمدارس، لتتحقق سرعة التواصل بين المدرسة وكل من المنطقة التعليمية والوزارة وأولياء الأمور.
وهذا أمر مطلوب، وسعي محمود من قِبَل الوزارة، ولكنه يبدو ترفا إداريا يأتي في درجة تالية من الأهمية إذا ما قارناه بالخبر الثاني، والذي يكشف عن نقص حادّ في عدد أمناء المكتبات في مدارس إمارة واحدة (الفجيرة)، والتي بلغ عددها -بحسب الخبر- إحدى وعشرين مدرسة تخلو من وجود شخص مؤهل للقيام بوظيفة أمين مكتبة!
والزاوية الثانية للمفارقة هي أن هذين الخبرين يحتلاّن الصفحة ذاتها في الجريدة، إذ يشغل الأول الثلثَ الأعلى من الصفحة، فيزرع في نفس القارئ فرحة كبيرة، ويستبشر بهذه الخطوة الأولى في طريق (تقْنَنَة) التعليم، ويراها بداية لاستثمار كافة الوسائط التقنية الحديثة في تحسين العملية التعليمية، ولكن يبدو أن هذه الفرحة لا يحقّ لها أن تنتقل كاملة إلى الصفحة التالية من الجريدة؛ فالخبر الثاني يحتل الثلثَ الأخير من الصفحة ذاتها، ويزرع في القلب غصّة، تضيع معها الأحلام السابقة، ويتبعثر الإحساس المتفائل الذي بثّه الخبر الأول في نفس القارئ على أعتاب تلك الصفحة قبل أن يقلبها.
لقد تساءلتُ وأنا أتأمل هذين الخبرين إن كان المسؤولون في وزارة التربية يجدون انسجاما أو توافقا بينهما؟ وإن كان وجودهما في الصفحة ذاتها يولّد لديهم التساؤلات ذاتها التي يولدها في نفوسنا؟
ولكنّ السؤال الذي كان أكثر إلحاحا عليّ هو: أيهما أهم، توفير الإنترنت للأغراض الإدارية، أم توفير أمناء مكتبات متخصصين وقادرين على زرع حب القراءة والاطلاع في نفوس طلابنا الذين يعانون من إعراض مزمن عن القراءة، ولديهم حساسية - مزمنة أيضا - من رائحة الورق ومنظره؟
وهل الاهتمام بالجوانب الشكلية الثانوية في مقابل إهمال الجوانب الجوهرية الأساسية يمكن أن يحقق قدرا من التوازن في مسيرة العملية التعليمية التي لم يقَدّر لها أن تقف على أرض صلبة حتى الآن؟
إذا كان دخول الإنترنت إلى المدارس للأغراض التي ذُكرَت في الخبر، وهي تواصل الإدارات مع الأطراف المختلفة من وزارة ومنطقة وأولياء أمور فهذا أمر يمكن تحقيقه من خلال الوسائل المتوفرة أساسا في كل مدارسنا منذ زمن، وهي الهاتف والفاكس على سبيل المثال، وأعتقد أنهما يؤديان هذا الغرض دون تقصير.
ولكن هل يستطيع أي شخص القيام بدور أمين مكتبة دون تقصير؟ لا أعتقد، وبحسب ما جاء في الخبر الثاني على لسان رئيس قسم البرامج والمناهج التعليمية فإن العاملين بهذه المهنة يفتقرون إلى التخصص، إذ إن معظمهم إما معلمو ومعلمات مهارات حياتية أو لغة عربية، وهذا يعيق تحقيق الهدف المنشود من تأسيس هذه المكتبات ووجودها.
إن توظيف التقنيات الحديثة في المدارس أمر محمود ومرغوب، وسيكون أثره كبيرا في تطوير العملية التعليمية، ولكن يجدر بنا قبل محاولة الوصول إلى قمة الهرم أن نؤسس قاعدته تأسيسا جيدا، وإلا انهار بمجرد الانتهاء من بنائه.
ومن جهة أخرى لا بد أن يكون توظيف التقنيات الحديثة لخدمة العملية التعليمية فعلا، وليس لخدمة الأغراض الإدارية؛ فالخبر الأول كان مسبوقا بعنوان فرعي هو (التربية تعلن دخولها عصر التقنية الحديثة)، ومع أن هذا الدخول جاء متأخرا جدا، إلا أن مضمون الخبر لا يدعم بدقة ما يوحي به هذا العنوان الذي يوحي بأن دخول التقنية الحديثة للمدارس سيكون لتوظيفها في العملية التعليمية نفسها، فيكتشف قارئ الخبر بأنه متعلق بالمهام الإدارية فقط.
ومن السهل القول إن دخول الإنترنت المدارس لأغراض إدارية يمثل خطوة أولى لولوج عصر التقنية الحديثة وسيتم بعد ذلك توظيفها بالتدريج في خدمة العملية التعليمية، ولكن السؤال هنا هو: هل سيتحقق هذا فعلا في ظل القصور الذي تعاني منه المدارس في الجوانب الأساسية الأخرى، من حيث أعداد المعلمين، وكفاءتهم، وتفاعلهم مع المناهج المطورة.. إلخ؟
وهل سيتحقق الهدف من دخول عصر التقنية الحديثة مع عدم وجود أعداد كافية من أمناء المكتبات المؤهلين والمتخصصين، والذين سيقع عليهم العبء الأكبر في هذا العصر المعلوماتي الجديد، الذي تمثل المعارف والمعلومات قوامه الرئيسي، بغض النظر عن مصادرها (ورقية كانت أم رقمية)، ففي كلا الحاليْن أمين المكتبة هو الشخص الوحيد المؤهل للتبصير بهذه المصادر، وتعريف الطلاب بها، ومساعدة المعلمين كذلك للوصول إليها بوقت وجهد أقل.
يبدو لي أننا في حاجة إلى اكتساب ثقافة تعليمية جديدة قبل دخول عصر التقنية الحديثة، كي نتمكن من الاستفادة الحقيقية من معطياته المختلفة، وإفادة أبنائنا الطلبة، الذين يحتاجون إلى من يوجههم.
كما يجب ألا ننساق وراء الاعتقاد السائد بأن عصر التقنية الرقمية قد جاء لينسخ عصر الورق ويلغيه؛ فوجود التقنيات الحديثة لا يعني بأي حال من الأحوال إلغاء الورق أو القضاء عليه، بل يعني أننا أصبحنا نمتلك أداتين مختلفتين، لكل منها مجالها المختلف عن الأخرى، وتؤدي كل منهما دورا لا تستطيع الأخرى غالبا أداءه، ولكن المهم فقط هو أن نحسن استغلال مواردنا وتوظيفها لمصلحتنا ومصلحة أبنائنا ومصلحة العملية التعليمية.
جامعة الإمارات
sunono@yahoo.com