الصحافة ـ شأنها شأن أي ظاهرة أو صناعة بشرية فيها الشجيّ المهموم بالقضايا الجادة وفيها أيضا الخليّ المشغول بأبسط الأمور وأشدها ضحالة وتسطيحا.
وتأتي نهايات كل عام ومطالع عام جديد فتشهد في تواتر عجيب صحافة مشغولة بالنشر عن أشهر نجوم السينما وأجمل كواكب المجتمع المخملي.. بما في ذلك - لزوم الإثارة وفتح الشهية وحوادث الزواج والطلاق.. الوفاق أو الفراق..
على خلاف ذلك تنشغل صحافة جادة.. مسكونة بهموم العصر.. وقد يتسع إطار اهتمامها وهمومها إلى حيث يشمل سكان الكرة الأرضية بكل ما يصيب حياتهم من مشاكل البيئة وقضايا الديموغرافيا وشظف المعيشة ومدى ما حققته خطط التنمية من طموحات وإنجازات وحجم ما مُنيت به لدى التنفيذ من عوامل الفشل أو الاحباط.
في هذا الإطار الجاد.. تعكف دورية رصينة تصدر شهريا في فيلادلفيا بالولايات المتحدة، هي مجلة «كرنت هستوري» على رصد مسارات الأحداث والتحولات التي تطرأ على العالم على مدار سنة انقضت.. وهي لا تقوم بهذه المهمة من باب الرصد التاريخي بل هي تعكف على إنجازها من أجل استشراف مستقبل التطورات التي ينطوي عليها العام الوليد الجديد.
«كرنت هستوري» مطبوعة جادة مشغولة كرست في ختام سنة 2005 إصدارها في ختام السنة لاستطلاع علمي ومنهجي لما تطلق عليه وصف «الآفاق - التيارات في العام الجديد».. ثم نشرت هذا الاستطلاع أو الاستعراض تحت عنوان أكثر تفصيلا هو:
ـ تقرير مرحلي عالمي من اعداد كوكبة من محرري المجلة وصفوة باحثيها.
ولأننا بإزاء مجلة صحافية سّيارة كما قد نقول فإن المتلقى المستهدف هنا لا يتمثل في مجاميع الأكاديميين أو العلماء الاختصاصيين ـ بقدر ما أن الخطاب العلمي في هذا المضمار موجه أساسا إلى القارئ العادي، أو فلنقل القارئ الجاد الذي لا يقتصر على تناول المطبوعة المنشورة من أجل «قتل الوقت» بل هو القارئ الذي يستبد به فضول أن يعرف وأن يتابع وأن يعي وأن يتعلم.
من هنا عمد واضعو التقرير المرحلي العالمي إلى قالب طريف ومبسط أيضا حيث استعارو صيغة التقارير المدرسية أو شهادة أعمال السنة التي تصدر لتتابع أداء التلاميذ خلال العام الدراسي ثم يختمها التقرير النهائي حاملا الدرجات والتقديرات التي حصل عليها الطالب الدارس.. وبوسع القارئ - بقدر ما أنه بوسع ولي أمر التلميذ - أن يطلع على التقرير الموجز مشفوعا بالدرجات ومزودا بشروحات مسهبة بالنسبة لكل بند من بنود التقرير.
وحسبنا - في سياقنا الموجز الحالي أن نطالع هذه البنود الخمسة الرئيسية من التقرير وهي:
الأمن العالمي (الكوكبي إن شئت) والسياسة العالمية واقتصاد العالم ثم التنمية البشرية وأخيرا مجال العلم والتكنولوجيا.
وفيما يلي لمحات على كل من هذه المجالات الرئيسية الخمسة:
(1) في مجال الأمن حصل عالمنا في سنة 2005 على معدل درجات يتراوح بين «مقبول» و«جيد». بمعنى أن ثمة تأرجحا في شعور العالم بالأمن بين بعض الإيجابيات التي شهدها العالم في تخفيف التوتر في مناطق مثل كشمير (صراع الهند وباكستان) وفي تايلاند (تمرد الحركة الماوتسية المعارضة) وفي الكونغو الأفريقية وفي كولومبيا بأميركا اللاتينية.. إلا أن معدل الدرجات ما لبث أن هبط إلى درجة مقبول على ضوء الفشل في نزع فتيل التوتر بالنسبة لقضايا ومواقع شتى من كرة الأرض وفي مقدمتها طبعا فلسطين والعراق وإيران وكوريا الشمالية.
(2) السياسة العالمية: حصل العالم على درجة جيد بفضل تحولات واعدة كما رآها التقرير في مجال الديمقراطية أو الشورى أو التعددية أو الدستورية في بعض أقطار الشرق الأوسط وفي الصين رغم أن بقاعا أخرى من العالم لا تزال تواجه أزمات سياسية تجسدت مثلا في الفساد الضارب أطنابه في أميركا اللاتينية وهو ما أتاح الفرصة في رأي التقرير ـ الأميركي ـ لطرح شعارات وسياسات قد تحقق قدرا من الشعبية دون أن تنجز ما قد تتطلبه الأوضاع من إصلاحات.
(3) اقتصاد العالم: هذا هو المجال- أو المقرر الدراسي ـ الذي يعطي فيه التقرير درجة جيد جدا لأداء العالم حيث رأى واضعو التقرير أن الاقتصاد العالمي ازداد توسعا في عام 2005 ولكن بدرجة أبطأ من السابق وخاصة في بلدين كبيرين هما الصين وأمريكا.. وفي هذا السياق يقول هذا البند الاقتصادي من التقرير:
ـ برغم أن اقتصاد أوروبا في حال من الركود وبرغم أن أفريقيا في حال من المعاناة، إلا أن الاقتصاد العالمي (الغلوبالي) ظل ينمو ومن ثم استطاع أن يرفع نير الفقر عن كاهل ملايين من البشر (وخاصة في آسيا).
(4) التنمية البشرية: للأسف لم يحقق عام 2005 إنجازات يؤبه بها في هذا الميدان.. ومن ثم حصل العالم على درجة مقبول بالكاد كما يقولون. كيف لا وقد نكثت مجموعة الدول الثماني الصناعية الموسرة وعودها التي سبق وقطعتها في عام 2005 من أجل زيادة دعمها للدول الفقيرة تخفيفا لديونها وزيادة في المعونات المقدمة لها.. ليس صدفة إذن أن يصدر تقرير الأمين العام للأمم المتحدة ليحمل عبارة ذات دلالة حول محصلة هذه الوعود الصادرة لصالح التنمية البشرية في العالم وهذه العبارة تقول بغير مواربة:
ـ لا يوجد ما يدعو إلى البهجة أو الاحتفال.. للأسف الشديد..
(5) العلم والتكنولوجيا: لأمر ما.. يمنح التقرير الصادر عن مجلة «كرنت هستوري» درجة جيد مرتفع (بي بَلَسْ). ومن جانبنا العربي فنحن نتحفظ على هذا التقدير إذ نلمح فيه روح المجاملة وربما كان المقصود هو التشجيع على مواصلة مسيرة العلم والتكنولوجيا.. نحن لم نشهد ولا شهد واضعو التقرير مثلا - علاجا ناجعا لآفة وبائية.. ناهيك أن يتوصل العالم لعلاج أخطر وباء مهلك لم يقتصر خطره على عام 2005 بل ظل يحصد أرواحا ويجتاح أقطارا ويطيح بأجيال - هو فيروس نقص المناعة البشرية الذي يفضي إلى الإصابة بالإيدز - متوالية نقص المناعة المكتسب حسب مصطلحات المنظومة الدولية.
وغير خاف أن قارة مثل أفريقيا أصبحت موبوءة بانتشار هذا المرض الفتاك بكل ما يفضي إليه من عواقب ديمغرافية واقتصادية واجتماعية على السواء.. بل ان التقرير الذي نستعرضه يحذر أيضا مما يصفه موضوعيا بأنه تآكل أو تداعي جهود أميركا في مجالي البحث والتطوير بسبب انخفاض الاستثمارات المطلوبة في هذا الميدان.. ولكنه يشيد بظاهرة تعد في رأينا من ثمار شبكات المعلومات المستخدمة للحواسيب الالكترونية ويصفها التقرير بأنها ظاهرة التوسع المطرد في انتشار المعارف العلمية والتكنولوجية على نطاقات واسعة من العالم.
وربما لهذا السبب فقد منحوا العالم درجة مرتفعة عن الأداء.. وربما أرادوا الإبقاء على شعلة.. أو حتى بصيص من الأمل يلوح أمام الإنسانية مع فجر عام 2006، وربما أرادوا هذه الغايات جميعا.
كاتب مصري