ليس من السهل بناء دولة، فبناء دولة يتطلب توافر عناصر أساسية لقيامها: الإرادة والحنكة السياسية والحكمة والصبر. وعندما نتحدث عن دولة قامت واستمرت وتحدت جميع العقبات، فإن أول ما يتبادر إلى أذهاننا الرجال الذين قامت هذه الدولة على أكتافهم وحنكتهم وحكمتهم.
وتعتبر دولة الإمارات واحدة من الأمثلة النادرة التي يضرب بها المثل في كيفية تكون الدول وفي كيفية بقائها واستمرارها.
إن الشخصيات التي لعبت دوراً مهماً في قيام اتحاد دولة الإمارات عديدة. وعلى رأسهم كان والدنا رحمه الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان. وقد التفت حوله كوكبة من حكام الإمارات السبع الذين نذروا حياتهم لهذا الوطن ولخير شعبه. فقد عملوا في صمت وبإخلاص نادر الوجود. وإذا غيب الموت مجموعة منهم فقد تولى بعدهم رجال آخرون ليكملوا الطريق نفسه الذي رسمه لهم آباؤهم.
واليوم يغيب الموت واحدا من تلك الشخصيات التي عملت في صمت وقضت في صمت: الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم، رحمه الله، ويعتبر الشيخ مكتوم الذي تولى الحكم بعد وفاة والده من بين أبرز الشخصيات التي رسمت الخطوط العريضة لسياسة دولة الإمارات العربية المتحدة ومن الشخصيات التي كانت ترفض الحديث عن نفسها والتي فضلت العمل بعيدا عن أضواء وسائل الإعلام وكان يردد دائما: أنا لست وحدي فمعي حكام الإمارات الآخرون وأنا آخرهم!
إن دولة الإمارات العربية المتحدة، على صغر حجمها حفرت على خارطة العالم اسماً لامعاً. ولم يكن من السهل الحفاظ على مكانتها التي ارتبطت بالعدالة والمساواة والأخوة والحكمة. وقد رسخ حكامنا لدينا مثل تلك القيم الأساسية لبقاء الأمم. فأصبح اسم دولة الإمارات مرتبطا بالحب والعون والدفاع عن قضايا الأمة الإسلامية والعربية.
لقد كانت سياستهم قائمة على فتح أبوابنا للجميع: فللجميع الحق في العيش على هذه الأرض التي أكرمها الله بالخير. فلم تكن حكراً على أحد. وقد أدت تلك السياسة إلى ما نشاهده اليوم على أرض الواقع: بنية اقتصادية قوية وتطور عمراني نموذجي وتآخ بين مختلف الجنسيات من الصعب أن نجده في مكان آخر وأمن يحسدنا عليه الكثيرون.
غير أن أكثر ما يميز هذا الاتحاد عن غيره، هو عمل الجميع يدا بيد للرقي بهذا البلد دون النظر إلى المصالح الخاصة. لقد انتفت الأنانية من نفوس الجميع: حكاما وشعبا. بل أصبح الحاكم هو المواطن والمواطن هو الحاكم. وأصبح من مهام الحاكم الأولية الذهاب إلى موقع العمل حيث يعمل أبناؤه لتفقد أحوالهم وحل مشكلاتهم، فالجميع يعمل لبناء هذا الوطن، وعلى الجميع العمل بصبر وعزيمة لبناء هذا الوطن.
لقد دهشت من تعليق صدر من أحد الشخصيات الأجنبية حين قال: «إن حكامكم أناس عاديون جدا!» وعندما سألته لماذا وكيف؟ أجابني : « لقد جئنا إلى هذا البلد وكنا نسمع عن حكامكم الأمراء، فتخيلناهم كما كنا نقرأ في قصص الخيال الأدبي، وأنهم معزولون تماما عن حياة الواقع. واليوم نشاهدهم في كل مكان: في مكاتب العمل، في افتتاح المعارض والاحتفالات وفي افتتاح المؤتمرات ويشاركون في سباق الخيول بل حتى في منافسات الأولمبياد، فهم يشاركون في البناء كغيرهم من المواطنين العاديين»!!
فأخبرته بأننا لم نشعر يوما من الأيام بأن هناك حاكماً ومحكوماً: وحكامنا قد فتحوا مجالسهم للمواطنين بل حتى لغير المواطنين لحل مشاكلهم. وأخبرته بأن رئيس الدولة السابق الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله كان يذهب في شهر يوليو وأغسطس من كل عام إلى قرى تقع في عمق الصحراء التي تصل درجة حرارتها إلى ما فوق الخمسين درجة لزيارة المواطنين هناك وللاطمئنان على أحوالهم بينما نحن كنا نفر من الصيف الحارق للاستجمام لديكم في فرنسا وانجلترا وسويسرا!
وأضفت: إن حكامنا هم نموذج للشعب الذي تراه أمامك. فبساطتنا من بساطتهم وفرحهم من فرحنا وحزننا على فقدهم أكبر مما قد تتصور.
إنني بدأت هذه المقالة لأقول كلمة صغيرة في حق رجل كبير، تركنا ورحل ليلحق بصحبه الذين بنوا هذه الدولة، ورأيتني أتحدث عن الآخرين وعن الدولة وعن المواطنين وبصيغة الجمع: إلا هو!
فكأنه أبى أن يكون الحديث عنه وعن حياته حتى بعد وفاته!
حقا، لقد تعلمنا من حكامنا أن نساهم جميعا في بناء هذه الدولة بصمت وبحكمة وبصبر.. وتعلمنا منهم أن نصبح نحن الحكام وهم الشعب... فأي دولة بنيت على مثل تلك المبادئ السامية؟
جامعة الإمارات
dralaboodi@gmail.com