يثير الجدل الراهن حول إصلاح المجتمعات العربية معضلة الفكر العربي مع الحداثة منذ قدوم نابليون إلى مصر بمطبعته ومدفعه معا، فعندها وعى القائمون على أمر العالم العربي أن الغرب نور ونار ولكنهم دوما.

وربما حتى الآن فشلوا في تعيين الطريقة التي بها يتم دفع النار قبل أن تصبح حريقا، ومن دون ان يحرموا أنفسهم من النور الذي به يبصرون حقيقة عالم يتغير من حولهم وهو ما كان يتطلب بنية ثقافية عربية جديدة من جماع البنيتين الموروثة والوافدة منذ وقت طويل مضى .

وهنا يثور السؤال .. لماذا فشل الفكر العربي المعاصر في انجاز هذه البنية الجديدة «التوفيقية» ؟ وبالأدق وقعت البنية التوفيقية في أسر التلفيق ؟

ربما لأن الإحتكاك بالغرب بدأ داميا، ولذا فقد استمر ظاهريا كونه تأسس على منطق سجالى كان قادرا على حبس أطراف ثنائياته في كهوف الزمن دون حراك أو تبدل إلا في الظروف الخارجية والملابسات المحيطة.

وليس على منطق جدلي يستوعب عمليات الأخذ والعطاء المتبادل سلميا وتلقائيا دون شعور بالدونية التي فرضتها ضغوط الغرب المتوالية بدءا من الاستعمار الرأسمالي الأوروبي وحتى الاستعمار الاستيطاني الصهيوني . وقد تكرست حالة التلفيق هذه بفعل ثلاثة عوامل أساسية :

أولها : معرفي ـ فلسفي يتعلق بتغير جوهري في الأساس المنطقي للتوفيقية من سكونية سادت الحقبة التاريخية قبل الحديثة ووسمت الرؤية الكلاسيكية للوجود قامت بالأساس على المنطق الأرسطي القائم بدوره على مبدأ عدم التناقض ووحدة الحقيقة الإنسانية في مستواها الأعلى.

حيث الإيمان الفلسفي بقدرة واحدة متعالية ومهيمنة لدى أرسطو والتي تم تأويلها وبسهولة إلى «الله» في الفكر العربي الإسلامي القائم على عقيدة التوحيد المطلق.

وذلك إلى النزعة الجدلية الشكية الحديثة التي قامت بالأساس حول الجدل الهيجلي القائم بدوره على مبدأ التناقض والصراع بين أطراف ثنائيات بحثا عن المركب الجدلي الجديد المندمج الذي سرعان ما يتحول في حركة الواقع إلى طرف في ثنائية جديدة يصارع طرفها الآخر.. وهكذا، .

ولا شك أن هذه الجدلية المتحركة التي صاحبها في الفكر الغربي نزعات شك وإلحاد من ناحية وكانت تحتاج لاستلهامها إلى مجتمع أكثر ديناميكية وحيوية يتطور باستقلال في أفق تاريخي مفتوح ولديه القدرة على التكيف المرن والمستمر من ناحية أخرى، قد مثلت عامل إرهاق للفكر العربي المعاصر لأنها أثارت تناقضاته وكشفت قصوره وعمقت أزماته إذ غيرت من الأساس السكوني المريح والواضح الذي سهل من عمل التوفيقية في الحقبة الوسيطة، قبل الحديثة .

وثانيها : لغوي ـ شكلي يتعلق بعدم دقة الصياغة العربية للموقف التوفيقي نفسه والتي تمثلت بالأساس في إشكالية «الأصالة والمعاصرة» التي سادت نصف القرن الأخير تقريبا وذلك لأنها وضعت الذات العربية في علاقة سلبية بالزمن أصبحت معها اختياراتنا الفكرية الشاملة أسيرة تناقض تاريخي مستمر بين الماضي والحاضر.

وذلك لأن مفهوم الأصالة تم تفسيره في الاتجاه السلبي الذي يحدده بالزمن وينطلق به في اتجاه الماضي حيث لحظة التشكيل الأولى بكل قوالبها وأشكالها لدى الذات العربية هي مستودع الأصالة الكاملة.

ولم يتم الالتفات إلى التفسير الإيجابي لمفهوم الأصالة والذي يربطه «بالكينونة» وينطلق به في اتجاه ثوابتها حيث معيار تحقق الأصالة هو مدى استلهام العناصر الجوهرية لهذا التشكيل وليس الرجوع إلى قوالب وأشكال لحظة بدايته التاريخية، وهكذا تتحول الأصالة عن الارتباط بالماضي نحو الارتباط بالجوهر والخصوصية . وهنا نصبح أمام «ذاتنا» التي تعكس تكويننا وليس «ماضينا».

فلا شك أن التفسير الإيجابي لمفهوم الأصالة كان كفيلا بتسهيل التفاعل الجدلي بين القيم الجوهرية الكامنة في شتى الأزمان والتجارب، أي بين ماضينا وحاضرنا لأنه في بحثه عن الذات إنما يفصل بين الشكل والمضمون، وبين الطقوس والقيم، وبين الثوابت والمتغيرات ثم يقوم بعزل القوالب: الأشكال والطقوس والمتغيرات لأنها تاريخية تعكس لحظة التشكيل وتبقي على الجواهر : المضمون، والقيم، والثوابت لأنها تكوينية تصوغ خصوصيتنا ذاتها .

وعلى العكس أسهم التفسير السلبي، ضمن دوافع أخرى، في تعميق المبارزة السجالية لأنه عمق من شعور الواقع العربي بالاغتراب ازاء صورتين متمايزتين في الفكر اذ جعل من ماضي الذاتي طرفا ثالثا في معادلة الأنا والآخر ومن ثم أصبحت الذات العربية المعاصرة في مواجهة وجودين غريبين عنها، الأول منهما ينتمي للزمان حيث «ماضى الذات».

والآخر إلى المكان حيث «حاضر الغرب»، ما أضفى صعوبة كبيرة على محاولة التوفيق التي لم تعد فقط بين وجودين حقيقيين متمايزين يدخلان في صراع ينجز المركب الأرقى بل صارت بين وجود حقيقي واحد أي «الواقع» وبين وجودين صوريين غريبين مكانا وزمانا عنه ما زاد من ارتباكه وسهل وقوعه في أسر حالة التلفيق .

وثالثها : سياسي / عملي يتعلق بطبيعة السلطة العربية «التقليدية» حتى النخاع رغم الشكل الحداثي الذي اتسمت به على مستوى الخطاب الإيديولوجي ،وهى الطبيعة التي لم تخرج عليها أو تنجو منها معظم الحركات الوطنية التي كافحت ضد الاستعمار .

والتي اضطلعت بالدور الحاسم في بناء دولة «حديثة» تفتقد لمقوماتها فكانت النتيجة دائما مخيبة للآمال وأدت المقدمات إلى نتائج عكسية وذلك لوجود فجوة حقيقية بين طبيعة السلطة العربية التقليدية وبين الأهداف التحديثية التي ترجوها لمجمعاتها وهى الفجوة التي قادت دائما إلى المراوغة بين الوسائل.

و الأهداف وبين الأبنية ووظائفها العملية، وبين المؤسسات وأدوارها السياسية الحقيقية، فلم يمنعهم رفضهم الفعلي لمنهاجية ومنطق العلم الحديث، من إقامة أبنية جامعية وأكاديمية وبحثية تحمل في مسماها أوصاف العلوم والتكنولوجيا، مثلما تحمل في السياق نفسه أبنية ترسيخ حكم الفرد في عالمنا العربي شتى تعبيرات الديمقراطية والنيابية والتمثيلية .

كاتب مصري