الانحياز إذ يفسد الوساطة ودور الطرف الثالث ـ د.محمد خالد الأزعر

الانحياز إذ يفسد الوساطة ودور الطرف الثالث

في التطبيق العملي، تأخذ الجهود الهادفة إلى فض الصراعات والمنازعات الدولية أكثر من صورة، أبرزها: الوسائل والطرق القانونية التي عادة ما تجرى عبر القنوات والهيئات الحقوقية مثل محكمة العدل في لاهاي، والوسائل الدبلوماسية والسياسة السلمية ومنها المساعي الحميدة والمفاوضة والوساطة والتوفيق، التي تقتضي تدخل قوى أخرى من خارج الأطراف المنغمسة في المواجهة والخلاف.

ويشير مصطلح المساعي الحميدة في معناه القانوني السليم إلى الحالة التي يضطلع فيها طرف ثالث، قد يكون دولة أو منظمة إقليمية أو دولية أو حتى شخصية لها مكانتها العالمية، بمحاولة تقريب وجهات نظر الأطراف المتصارعة وحثها على القبول بالتفاوض المباشر أو غير المباشر.

وربما قام هذا الطرف بعروض من جانبه للتسوية والتصالح.. عروض يأنس فيها جسر المسافة بين المتخاصمين وإرضاء مطالبهم على نحو لا يشعر فيه أحدهما بالغبن الشديد أو بأنه تخلى أو تنازل عما يعتبره مصالح استراتيجية له.

وأحيانا يكون الغرض من تدخل الطرف الثالث هو محاولة تفادي حرب محتملة بين الأطراف المعنيين أو وضع حد لحرب قائمة بالفعل. والواقع أنه إذا ما بادر هذا الطرف بتقديم اقتراحات ومشروعات منه للتسوية، فإنه يكون قد انتقل من دور المساعي الحميدة إلى طور الوساطة، الأرقى مرتبة والذي يحتاج إلى دراية أوسع بالصراع وقد يكون مُكلفا لمن يقوم به على صعد الوقت والجهد والمال والسمعة والمكانة.

عندما نستذكر هذه التعميمات بين يدي السيرة الذاتية للصراع الصهيوني العربي، ندرك كيف أن هذا الصراع بمشتقاته وما تفرع عنه من أبعاد أساسية وقضايا فرعية عرف كل أنماط وسبل التسوية المشار إليها بلا استثناء.

فالمجتمع الدولي ممثلا بالأمم المتحدة وكثير من المنظومات والمنظمات الإقليمية والدول هبوطا إلى بعض الرموز الدولية رفيعة المقام، لم يقصروا في البحث عن التسوية بين إسرائيل والعرب فرادى أو مجتمعين.

ومن المحطات المهمة في هذا الإطار، الأدوار التي تولاها كل من الكونت برنادوت ولجنة التوفيق الدولية في بواكير الصراع، ثم المبعوث جونار يارينج وممثلي الدول الأربع الكبرى (الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وفرنسا) ولجنة الحكماء الأفارقة في مرحلة ما بعد حرب 1967.

وصولا إلى الرباعية الدولية (الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة) منذ بضعة أعوام. وفي السياق ذاته، يمكن الاستطراد إلى عشرات المداخلات والمبادرات التي صدرت عن جهات ومستويات دولية تعز عن الحصر.

. ولا أدل على استمرار الانشغال بهدف التسوية الجزئية أو الشاملة من أن معظم القوى الدولية المعتبرة أصبح لها ممثلها الخاص للشرق الأوسط، ومنها بلا حصر الصين والهند واليابان والبرازيل.

والحال كذلك، تبدو هذه الظاهرة لافتة وبحاجة إلى مزيد من الدرس والتحري.. لكن ما يعنينا أكثر في هذه العجالة أن إسرائيل حالت دون نجاح الشق الأعظم من مداخلات الأطراف الثلاثة وجهودهم، وذلك بغض النظر عن المرجعيات التي اتخذوها واستندوا إليها.

فالأصل أن الطرف الثالث غالباً ما يبلور أفكاره ومقترحاته للتسوية بناءً على مجموعة من المبادئ والثوابت المعتمدة في التعامل مع القضايا الخلافية.. قد تتمثل هذه المبادئ في القوانين والقرارات الدولية ذات الصلة أو في الأعراف الموروثة أو حتى في الأسس والأساليب التي جرت بها معالجة قضايا مشابهة وشكلت سوابق يعتد بها.

وتشهد الوقائع بأن إسرائيل جعلت من أهدافها وسياساتها ومواقفها وتكييفاتها لمجريات الصراع ومداخل حله وتسويته المرجعية الوحيدة المقبولة لها، مُلقية خلف ظهرها بكل الأسانيد الأخرى المطروحة من جانب هذا الطرف الثالث أو ذاك.

وكانت المرات النادرة التي استجابت فيها لبعض الأسانيد، مجرد خشبة قفز أو ذريعة مؤقتة استهدفت بها تحقيق أهداف ذاتية يصعب تحقيقها من دون هذه الاستجابة..

حدث ذلك مثلاً حين وقعت بروتوكول لوزان (مايو 1949) المقترح من لجنة التوفيق الدولية، وكان ذلك شرطاً لقبول عضويتها في الأمم المتحدة. وما إن بلغت العضوية حتى تنكرت للبروتوكول ورفضت تطبيق بنوده، التي كان منها عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم.

وفي تاريخ ماثل راهناً، قبلت تل أبيب بخريطة الطريق للتسوية الفلسطينية التي تبنتها الرباعية الدولية، لكن هذا القبول أحيط بتحفظات تكاد تجعل الخريطة منتجاً إسرائيلياً وليس صادراً عن الرباعية كطرف ثالث!

وأهم من عزوف إسرائيل عن التعاطي مع مشروعات الأطراف الثلاثة من المبادرين بمساعيهم الحميدة ووساطتهم، أنها لا تستمرئ من الأصل مسألة وجود هذه الأطراف في غمرة التسوية. فهي لطالما عرضت التفاوض المباشر كمنهج وحيد لتحري التسوية السلمية وكان ذلك دوماً مقترناً بالتعامل مع كل طرف عربي على حدة، وفقاً لما عرف بأسلوب المسارات.

ولا يخفى على فطن كيف أن منهجية كهذه تسمح لها بمغالبة الطرف المفاوض وحيداً على خلفية موازين القوى المختلة لصالحها، وتسمح لها أيضاً بالتلاعب بمفاوضيها المتفرقين وبث الفتن فيما بينهم. لكن المدهش أنه ما من تعاقد سلمي إسرائيلي مع طرف عربي إلا جاء بعد مداخلة لطرف ثالث مفترض وهو بالتحديد الولايات المتحدة!

فالتسويات الإسرائيلية مع كل من مصر والأردن ومنظمة التحرير مثلاً، هي بعض حصاد هذه المداخلة ونماذجها الأشهر. وتقديرنا أن هذا التفرد بدور الوساطة أميركياً والتفرد بمقبوليته من الجانب الإسرائيلي، يعني أن الولايات المتحدة تكاد ألا تكون مجرد طرف ثالث في غمرة الصراع بين إسرائيل والعرب.

كذلك نحسب أن الثقة الإسرائيلية في هذا الوسيط بالتحديد دون سائر الخلق من الأطراف الثلاثة تأتي من حقيقة أنه لا يمثل عندها طرفاً ثالثاً.. وموضوعياً يعلن هذا الموقف الاستثنائي أن الوسيط الذي يصلح للتعامل المجدي مع إسرائيل هو الذي يملك طاقة إجبارها على الانصياع لطروحاته، بسبب قدرته الفذة في الضغط عليها إن شاء أن يفعل.

الشاهد أن الشراكة العضوية الإسرائيلية الأميركية توشك أن تنفي عن سياسة واشنطن ودبلوماسيتها الشرق أوسطية النشطة صيغة الوساطة الطهرية. وكفى شهيداً على هذا التقدير أن تذهب واشنطن إلى مجافاة الشرعية الدولية بكل أنماطها وهي تعترف بصحة الوقائع التي اصطنعتها إسرائيل في الأرض المحتلة 1967.

الذي يأتي هذه الفعلة الانحيازية المنكرة وأمثالها لا يتوخى الوساطة النزيهة ولا يستهدي بخلق الطرف الثالث المحايد، وإنما يعمل بوحي من المساعي غير الحميدة. لهذا ونحوه مما يعيب الدور الأميركي ما زال الصراع الإسرائيلي العربي بحاجة إلى الطرف الثالث «البعيد عن الهوى». ولكن أين هو؟!

كاتب وأكاديمي فلسطيني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات