كان الله في عون الملايين من البسطاء الذين يعتقدون أن خروج وزير معين من الحكومة بعد طول «تبليط» كفيل بأن يحل كل مشاكله المتراكمة منذ سنوات.

بالطبع فإن تغيير الوجوه في أي حكومة هو مظهر صحي إذا كان هدفه ضخ دماء جديدة في شرايين الحياة السياسية، وإذا أضفنا ظاهرة تفاؤل أو تشاؤم كثير من الشعوب العربية ببعض الوجوه، فإن الأمر يكتسب بعداً مضاعفاً، فهم يحزنون جداً عندما يبقى وزير يعتقدون أنه سيئ أو يخرج من التشكيل وزير يعتقدون أنه جيد وطيب، حدث ذلك على سبيل المثال في مصر عندما بقي يوسف والي طويلاً وكذلك كمال الشاذلي الذي خرج من تشكيلة الوزارة الأخيرة، وحدث العكس عندما خرج عمرو موسى من الخارجية أو أحمد جويلي من التموين.

البوصلة الشعبية أو ما يطلق عليه البعض نبض الجماهير صحيحة إلى حد كبير، لكنها في كثير من بلدان العالم الثالث تظل مفهوماً تبسيطياً وساذجاً، إذا كانت الحياة السياسية مصابة أصلاً بتصلب وانسداد كامل في الشرايين، وبالتالي فإن ضخ أي دماء جديدة لا يجعل الدورة الدموية تعمل كما ينبغي.

بعض الحكومات العربية نجحت إلى حد كبير في إيهام غالبية مواطنيها بالتفريق بين النظام الحاكم الطيب وبعض وزرائه غير الطيبين، وهكذا وصلنا إلى وضع في غاية الغرابة .. مواطنون مطحونون يعتقدون أن النظام «آخر تمام» وأن سبب كل المصائب التي يعانون منها هي بعض الوزراء، الذين اذا تم تغييرهم ستحل كل المشاكل وتصبح الحياة وردية ما يذكرنا بحكاية «الحاخام والخنزير»!

صحيح أن فساد بعض الوزراء زكم الأنوف، وفضائحهم انتشرت انتشار السحابه السوداء، لكن قلة هي التي تسأل نفسها، من الذي سمح لهؤلاء بالفساد والتجبر، وتحويل المنصب أو الوزارة أو الهيئة إلى عزبة خاصة، وإذا تمت محاكمة أحد هؤلاء فيكون ذلك «بعد خراب مالطة»، وفقط بعد ان يخرج من المنصب، على طريقة التضحية بأحد الجياد من أجل صالح مجموع الإسطبل.

مشكلة غالبية البلدان المتخلفة، ليست في وزير فاسد، حتى لو كان من عينة الذي أصاب شعبه بالمبيدات المسرطنة، رغم أهمية ذلك بالطبع، المشكلة هي في النظام الذي سمح بذلك، وبالتالي فعندما يخرج مثل هذا الوزير فإن هذا النظام أو «السيستم» ربما يعيد إنتاج الوزير مرة أخرى.

من حق كثير من المصريين أن يأملوا خيراً في حكومتهم الجديدة، ومن حقهم ان يفرحوا لخروج وزراء يعتقدون أنهم أفسدوا الحياة السياسية الداخلية، أو يعتقدون أن خروج أحدهم مثل وزير الإسكان سيؤدي إلى توفير شقة غداً لكل مواطن، لكن ومن دون قصد لإصابة هؤلاء بالهم والنكد، فإنه ومن دون سياسة واضحة حقيقية تنصف المظلومين وتحارب المفسدين وتهتم أساساً بالغالبية المطحونة من الشعب المصري فإن ماكينة السياسة الراهنة لن تحول دون إنتاج وزراء آخرين على النمط نفسه، لكن فقط مع تغير الأسماء.

emadiraqi@yahoo.com