تؤكد الدراسات الجديدة والمهمة، وحتى بعض القديمة منها في مجال العلوم النفسية والإنسانية ما أكدته أيضا أفكار عظمى قبلهما، الا وهو أن محبة الآخرين واحترامهما لابد وأن يسبقهما محبة النفس واحترامها وتقديرها. أي أننا لا نستطيع أن نحب الآخرين وأن نقدرهم وأن نحترمهم ما لم نكن قادرين على أن نمنح نفس هذه المشاعر أيضا لأنفسنا، وذلك من منطلق أن فاقد الشيء لا يعطيه. أي أن الذي لا يحب نفسه ولا يقدرها و لا يحترمها لا يستطيع أن يمنح الحب أو التقدير أو الاحترام للآخرين، لأن المخزون الذي تحمله النفس ليس به هذا الوعاء.

وما أقصده هنا لا ينطلق من رؤية أنانية ضيقة تتركز على الغرور أو الإعلاء من شأن النفس مقابل التقليل من شأن الآخرين، أو أن ننطلق من مفهوم «أنا ومن بعدي الطوفان»، إنما المقصود هنا هو أن تمتع الإنسان بقدر مناسب من محبته لنفسه واحترامه وتقديره لها أساس مطلوب لكي يكون قادرا على أن يمنح المحبة والتقدير والاحترام للآخرين. فمحبة النفس تعطي للإنسان المقدرة على التوازن وتعطيه أيضا المقدرة على تقدير هذه النفس واحترامها وأن يكون هذا الإنسان باحثاً دوماً عما يغذيها ويغذي حضورها في العالم كما يرفدها بكل ما يعزز تفردها وكيانها.

المحبة تعني العناية وتعني الاهتمام وتعني أيضا البحث عن إسعاد من نحب، أنفسنا أو الآخرين. من هذا المنطلق يرى العلماء المهتمون بالإنسان أن معظم مشكلاتنا في الحياة تأتي من الخلل في هذه المسألة، أي الخلل في محبتنا لأنفسنا والخلل في محبتنا للآخرين. فالإنسان العدواني يأتي سلوكه بدرجة كبيرة كتعبير عن عدم محبته لنفسه وبالتالي يبحث لها ومن خلال تدمير الآخرين ما يساعده على تدمير ذاته. كما أن المرض الجسدي هو في غالب الأحيان تعبير من أجسادنا على رفضها لما نقوم تجاهها من سلوك.

وهذا ما تؤكده اليوم الكثير من الدراسات الباحثة في علاقة المرض بالصحة النفسية. فالمرض الجسدي، كما تؤكد هذه الدراسات والأبحاث، ما لم تكن أحدثته عوامل شديدة العدوانية تجاه الإنسان وبيئته، كاستعمال المواد الكيماوية الضارة أو استخدام القنابل النووية والجرثومية وغيرها في الحروب والاعتداءات، فإنه يكون، أي المرض عصياناً من أجسادنا على أنماط الحياة التي نعيشها وتعبيراً منها على رفضها لتجاوزاتنا.

وعلى عكس ما تؤكده تلك الدراسات الباحثة في الأساليب التي تجعل الإنسان أكثر توازنا وأكثر صحة وأكثر تقديرا للحياة وللآخرين من ضرورة أن تتحقق للإنسان البيئة والإدراك بقيمة ذاته وبأهميتها، فإن عالم اليوم يحتوي في الكثير من جوانبه على عكس هذه الأمور. إنه عالم تقل فيه روافد محبة النفس وتزيد فيه الوسائل التي تبعدنا عنها. هو عالم يزيد من بعدنا عن الآخرين ومن محبتنا لهم. عالم يبعد الإنسان عن ذاته، يزيد من شعوره بالغربة، يمزق علاقته بنفسه، ويطالبه بالمقابل أن يكون متسامحاً وسوياً وقادراً على الإبداع.

إن زيادة رقعة الفقر في العالم واندفاع الكثير من الأمم نحو التمثل بمنظومة واحدة في الكثير من جوانب الحياة، ومنها الحياة الثقافية والتعليم وغيرها، وكذلك توسيع رقعة الحروب والتعدي الجائر على الطبيعة، حاضنة الحياة، كلها مظاهر تدل على عجز الإنسان عن محبته لنفسه، وبالتالي عجزه عن محبة الآخرين. فكما ندرك، المحبة تعني أن أكون قادرا على العناية بمن أحب.

والمحبة تعني أيضا أن أعطي من أحب القدرة الكافية على الحياة الكريمة والجميلة، لا أن أصادرها منه أو أن أحرمه من الوسائل التي تساعده على الوصول إليها. من هنا ندرك قول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» وفي هذا القول، على بساطة كلماته، المعنى العميق الذي يتجلى فيه مفهوم المحبة ومفهوم الإيمان. فالذي يؤكده رسولنا الكريم أن المؤمن لا يكتمل إيمانه إلا بمحبته لأخاه، وأخاه هنا مطلق البشرية ومطلق الإنسان، وليس فقط من ينتمون إلينا عن طريق القرابة أو الملة أو اللغة، أو غيرهما من الصلات.

وبالتالي يكون معنى الإيمان مرتبطاً بقدرتنا على أن نحب للآخرين ما نحبه لأنفسنا، أي أن نرى تحققنا من خلال خلق الظروف التي تعطي للآخرين ايضا إمكانية التحقق. لكن كيف نستطيع أن نحب لأخانا ما نحب لأنفسنا ونحن لم نتعلم كيف نحب أنفسنا أصلا؟ ألا تشترط محبة الآخرين أن نعرف المحبة، أن ندركها في أعماقنا وأن نلمسها في أنفسنا وأن نعيشها ونتنفس هواءها، وبالتالي يكون بإمكاننا أن نمنحها للآخرين؟ وإلا فكيف نستطيع أن نمنح الآخرين شيئاً لا نشعر به في أنفسنا؟ كما أننا بالضرورة إذا لم نصل لشروط المحبة هذه فنحن لن نصل إلى الإيمان، وإلا لما وضع النبي محمد عليه الصلاة والسلام هذا الشرط لإيماننا.

إن المحبة تشترط الإدراك، إدراك النفس وإدراك حاجاتها وحدودها وأبعادها وبالدرجة الأولى تقدير هذه الأمور. فبدون أن ندرك ما نحن ومن نحن وما نستطيع أن نكونه وأن نحققه، لا نستطيع أن ندرك الآخرين. وبنفس هذه الشروط، وليس غيرها، تكون لنا أيضا المقدرة على العطاء وعلى المشاركة في بناء الحياة، وليس العيش على هامشها. كما أننا ما تكن لنا ملامحنا المميزة واعتزازنا بهذه الملامح فلن تغنينا الأقنعة في خلق صورة أصلية لأنفسنا، بل سنبقى مسوخا ربما لن تحتمل الحياة بقاءها لفترة طويلة على مسرحها.

جامعة الإمارات