تسعى الشعوب والأحزاب والأنظمة السياسية عادة إلى إقامة جبهة وطنية (أو شعبية) بين قوى متباينة الأهداف والاستراتيجيات والمنابت الطبقية أو السياسية أو الأيديولوجية، لمواجهة مهمة مشتركة أو عدو مشترك للفئات المتحالفة تتفق جميعها أنه العدو الرئيسي وأن محاربته تقع على رأس الأولويات لكل من هذه الأطراف، ويهّمش كل منها أهدافه الأخرى ويضعها في درجة أدنى ويؤجل النضال في سبيل تحقيقها حتى زوال هذا العدو المشترك واستبعاد خطره وعودة الوضع الصحي لحال البلاد والتطور الطبيعي لها وعندها يذهب الاستثناء ويعود كل طرف لأولوياته واستراتيجياته الخاصة وأهدافه المحددة أو يتحالف جزئياً أو كلياً مع طرف أو أطراف أخرى في تحالفات سياسية عاجلة الأهداف أو آجلتها.

وغالباً ما تتأسس الوحدة الوطنية لمواجهة عدو خارجي أو الدفاع عن البلاد، وأحياناً تجمعها أهداف النضال الاجتماعي أو السياسي لمواجهة القضايا الكبرى، وباختصار تقوم الجبهات أو الوحدة الوطنية بين أطراف (حتى لو كانت متناقضة) لمواجهة خطر أو أخطار مدلهمة تستهدف الوطن كله والشعب كله، قد تكون داخلية كمواجهة الكوارث أو الأزمات الاقتصادية كما قد تكون خارجية لمواجهة تهديد أو غزو خارجي.

قامت مثل هذه الجبهات الشعبية أو الوطنية في القرن العشرين وفي أكثر من بلد لمواجهة أخطار داهمة، فقد أقرها الكومنترن السابع للأحزاب الشيوعية عام 1935، ورأى إمكانية قيام التحالف بين عدة أطراف سياسية أو أيديولوجية في ظروف بعينها (مواجهة عدو مشترك أو حتى مواجهة القوى الرأسمالية من قبل القوى الاشتراكية) وكان يعني قبول تحالف الأحزاب الشيوعية مع الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية، فقامت جبهة شعبية في فرنسا عام 1935 ضمت معظم الأحزاب والتيارات السياسة (باستثناء اليمينية منها) تمهيداً لمواجهة النازية الصاعدة في الجارة ألمانيا.

وانتخب في إثر قيامها ليون بلوم رئيساً لجمهورية فرنسا وقبل الشيوعيون حينها ألا يشاركوا بالسلطة تدعيماً لنجاح الجبهة الشعبية، وقامت في إسبانيا عام 1936 جبهة من مختلف القوى الديمقراطية اليسارية للوقوف بوجه جيوش فرانكو واليمين الإسباني المتعصب والفاشي، وتحالف ماوتسي تونغ مع شان كاي شيك (رغم تناقضهما) لمواجهة الخطر الياباني والاحتلال الياباني كما تحالف ديغول مع الشيوعيين الفرنسيين خلال الحرب الثانية لمواجهة الاحتلال النازي وبعدها لتنفيذ خطة إعمار البلاد.

وأسس الجزائريون جبهتهم الوطنية لمقاومة الاستعمار الفرنسي حيث ضمت في صفوفها الأحزاب الوطنية واليسارية والليبرالية التي رأت أن خلافاتها ثانوية أمام الخطر الرئيسي لهذا الاستعمار، ولم تقف صلابة ستالين وتطرفه أمام انفتاحه على التيارات السياسية المعارضة في الاتحاد السوفييتي لمواجهة الخطر النازي في الحرب الثانية حتى أنه وجه نداءات للقوى القومية وللكنيسة الأرثوذكسية ولأنصار القيصرية أيضاً (الأعداء الألداء للشيوعية) للمشاركة في مواجهة الغزاة الألمان، وتناسى أهداف ثورة أكتوبر والاستراتيجية الشيوعية وتناقضاتها مع هذه القوى أمام الأخطار النازية، وأطلق على الحرب اسم (الحرب الوطنية العظمى) باعتبار أن البلاد في خطر، والأمثلة عديدة في هذا المجال وفي تجارب الشعوب.

إن تحقيق المصالحة وقيام الجبهة الشعبية أو الوطنية ليس جديداً ولا من اختراع سياسيي القرن الواحد والعشرين بل هو نتاج لنضالات الشعوب ومعاركها وخبراتها طوال القرن الماضي أو معظمه، وهو إضافة لكونه قراراً صحيحاً أصبح ضرورة لكل شعب يواجه محنة، سواء كانت ضغوطاً أم غزواً خارجياً أم حرباً يضطر لخوضها أم حتى لمواجهة صعوبات داخلية يعجز النظام السياسي وحده عن حلها لأنها أشمل من أن تعالجها البيروقراطية أو أجهزة الدولة أو الأجهزة الأمنية أو أمثالها، وتحتاج لمواجهة شاملة من الشعب كله ولتجميع قوى الشعب كله وهي الوحيدة المؤهلة لمثل هذه المواجهة العاتية على النظام السياسي القائم مهما كانت قوته.

هذا عن الوحدة الوطنية، أما عن ما يسمى بالمصالحة الوطنية فالأمر مازال ملتبساً على عديد من الحكام والناس، فهم يعتقدون أن المصالحة الوطنية تشبه المصالحة بين شخصين وتتسم بطرح الأحقاد جانباً وعفى الله عما مضى وتنتهي (ببوس اللحي)، والأمر يختلف كلياً في حال المصالحة الوطنية، فهي أولاً لا تعني أن هناك حروباً بين أبناء الوطن الواحد وهي ثانيا لا تعني فقط إجماع الإرادة على طرح الخلافات جانباً وهي أخيراً لا تنتهي (ببوس اللحي) بين الأحزاب السياسية أو التيارات الاجتماعية وبالصفح المتبادل، إنما تعني اتفاق أبناء الوطن الواحد على الاعتراف المتبادل بعضهم بالبعض الآخر واحترام كل منهم رأي الآخر واتفاق الجميع على الحوار في ظروف بلادهم القائمة مستفيدين من تجاربهم السابقة، وبهدف الوصول إلى أوسع درجات التوافقات الوطنية على برنامج مشترك للجميع يصلح لمواجهة الصعوبات التي تمر بها البلاد.

وبتعبير مختصر تعني المصالحة قبول تسوية تاريخية بين فئات المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية لتشكيل قاسم مشترك وصولاً لبرنامج مشترك تلتف حوله في إطار وحدة وطنية. وإن صح هذا الرأي فإن المصالحة الوطنية لا علاقة لها (ببوس اللحي) ولا بالخصومة ولا بالأحقاد وإنما هي سعي جاد ومسؤول من قبل جميع شرائح المجتمع للاتفاق على برنامج موحد تتحالف لتطبيقه لأن ظروف البلاد تقتضي ذلك.

كاتب سوري