احتفى كثير من مثقفي العربية بمئوية سارتر، واحتفى بعضهم بمئوية الإمام محمد عبده، ولم يتذكر أحد د. زكي نجيب محمود ولا أدري لماذا؟ لماذا يتم الاحتفاء الكبير بسارتر الطفل المدلل للثقافة الفرنسية هذا العام ومسؤوليتنا عنه لا هي فرض عين، ولا حتى فرض كفاية، خصوصاً وأن سارتر الذي اشتهر بأدبه الوجودي وبالأخص المسرحي، لا يعدو موضة فكرية اجتاحت فرنسا،

وأوروبا في لحظة معينة وجو خاص خلفته الحرب العالمية الثانية بكل مآسيها التي نثرت في الروح الأوروبية مزاجاً عدمياً هو الأقرب إلى روح الفلسفة الوجودية في شقها الملحد على طريقة سارتر، الذي لا يمثل مرحلة تأسيسية في تاريخ الفكر الأوروبي الحديث كما هو ديكارت الفرنسي مثلا الذي ألهم الإنسانية روح العصر بمنهجه الشكي وثورته العقلية،

أو قاعدة ارتكاز في معمار الفلسفة المعاصرة مثل كانط، مؤسس النزعة النقدية الألمانية، ورائد التوفيق بين العقل والإيمان المسيحي عندما جعل للميتافيزيقيا طريقا للمعرفة خاصاً بها من دون أن ينكرها، فسحب الشرعية الفلسفية من تحت أقدام كل المفكرين الذين تصوروا الإلحاد طريقا وحيدا إلى العقلانية.

..ولماذا يحتفي الـ «بعض» فقط بالإمام محمد عبده، وهو من يستحق احتفاء الجميع، بل إننا من نحتاج إلى الاحتفاء به، لأن في ذلك استدعاء للعقلانية المؤمنة في ثقافتنا، فالرجل يقف على رأس مرحلة النهضة العربية الثانية منذ مطلع القرن التاسع عشر الميلادي بأفكاره النهضوية، وحياته النضالية،

ودعوته التربوية التي حاول من خلالها جميعا إعادة الاعتبار للعقل في الثقافة العربية المعاصرة كونه المرجع النهائي الذي ينظم السلوك البشري، وينظر للواقع الاجتماعي المعيش للمسلم، مؤكدا، أي العقل، على حكمة الشريعة إذا ما اتفقا في ظاهرهما، وحاكماً لها إذا ما اختلفا، حيث الجوهر لا بد وأن يكون واحدا بين العقل والشريعة لأن مصدرهما واحد وهو الخالق إذ يهب العقل هنا، وينزل النص هناك.

أما السؤال الأكثر إثارة للشجن، فيخص د. زكي نجيب محمود، وكيف تم إسقاطه سريعا، وبعد عقد ونيف فقط على رحيله، من ذاكرة الثقافة العربية التي يمثل أحد أبرز رموزها المعاصرين، على منوال تلك العلامات الكبيرة التي أثّرت في مجراها طيلة تاريخها الطويل. فإذا كان مفكرو المعتزلة قد تمكنوا في ذروة عصر تدوين الثقافة العربية، وفي مرحلة الهيمنة الكاملة للنص/ النقل أن ينتصروا للعقل،

وأن يؤكدوا حرية الفعل الإنساني ضد كل دعاوى الجبرية المعطلة لإرادة المسلم، ووعيه. وإذا كان الإمام الغزالي قد تمكن من التحكم في رقاب الثقافة العربية ودفعها نحو روح تقليدي اتباعي هو خليط من نزعات: صوفية، وسلفية، نصية أعاقت نمو التيار العقلاني المنفتح على الآخر في الثقافة العربية،

وأسهمت في إغلاق باب الاجتهاد من بعده ولنحو سبعة قرون كاملة. وإذا كان ابن رشد على رأس طائفة من الفلاسفة المسلمين الذين استوعبوا الفلسفة اليونانية، قد تمكن من قيادة تلك العملية الفكرية الخلاقة للتوفيق بين العقل، والنقل، أو بين الحكمة والشريعة، وهي العملية التي صاغت نسسقاً فكرياً نقدياً رئيسياً طالما ألهم مفكري العربية، كما ألهم مفكري أوروبا في العصر المدرسي وحتى ما قبل عصر النهضة الأوروبية بقليل.

نقول .. إذا كان هؤلاء الرموز جميعا قد وقفوا شامخين شهودا على مراحل كبرى أو رئيسية في ثقافتنا العربية، فإن الرائد الكبير د. زكي نجيب محمود يقف هو الآخر شامخا على قمة المرحلة التوفيقية أو «الموجة الثالثة» بالغة الأهمية في تاريخ الثقافة العربية لأنها بمثابة دعوة إلى النهوض كما أرادتها الموجة الأولى «الإحيائية» في تيار النهضة العربية إبان القرن التاسع عشر،

وفي الوقت نفسه دعوة إلى الانفتاح على الآخر كما أراد لنا مفكرو الموجة الثانية الحداثية «الليبرالية» في النصف الأول من القرن العشرين، وهي إضافة إلى هذه وتلك تمتلك ناصية الوسطية والتوازن سواء بين الماضي العريق، وبين الحاضر الزاخر في تجاوز جدلي خلاق لتعارضات الموجة الأولى،

أو بين الانفتاح على الآخر، وبين احترام الذات الحضارية لثقافة عربية هي بالفعل واحدة من كبريات الثقافات الإنسانية في تاريخها الطويل، في تجاوز جدلي وخلاق أيضا لتعارضات الموجة الثانية.

ولا شك في أن الروح التوفيقية قد تجسدت في أعمال كثيرين قبل الفيلسوف يمكن اعتبارهم روادا لها بمعيار الزمن، ولكن هذه الروح بقيت متناثرة في مناحي شتى، رهينة تعبير أدبي ما في رواية كما كان الأمر لدى نجيب محفوظ،

أو خبيئة نزعة فنية رومانسية أقرب إلى الحدس الصوفي منها إلى التحليل العقلي كما كان الأمر في دعوى «التعادلية» لدى الحكيم في كتابه الموجز تحت العنوان نفسه، أو على الأكثر كتاب إشكالي صادم كما كان الأمر لدى طه حسين «في الشعر الجاهلي»، وعلي عبد الرازق في «الإسلام وأصول الحكم».

كاتب مصري