إذ نودع عام 2005، غداً، تسترجع الذاكرة، ما هو مهم في أرشيفه، من أحداث، لتتنبأ في ضوئها، بمسار الأحداث المقبلة في العام الجديد. ورغم أن كثرة الأحداث، التي مرت في هذا العام، لا تسعها إلا صفحات الصحف، التي صدرت في العالم خلاله، إلا أن هنالك أحداثاً متميزة، لم تنته مع لحظة حدوثها، بل سيكون لها امتدادات في المستقبل.

فإذا تركنا الكوارث والنكبات، التي ابتليت بها، بعض بقاع العالم جانباً، فإن منطقة الشرق الأوسط، قد شهدت أحداثاً ساخنة من نوع آخر، بعضها نهايات وبعضها بدايات لملفات ساخنة، فهذه المنطقة، هي إحدى أكثر مناطق العالم سخونة. إذ منذ بدايات القرن المنصرم، ومع بداية تحول التخطيط الإستراتيجي للطاقة، نحو النفط، الذي يعتبر الشرق الأوسط الأكثر غنى فيه، أصبحت هذه المنطقة، محط أنظار الطامعين بثرواتها.

هنالك عدد قليل من القضايا، في الشرق الأوسط، تميز بها عام 2005، تتراجع أمام أهميتها، القضايا الأخرى. هذه القضايا، تتعلق بالعراق وإيران وسورية ولبنان ومصر، والدولة العظمى في العالم، الولايات المتحدة. ورغم أن لبعض الدول الغربية الأخرى، دورها في هذه القضية أو تلك، إلا أن اللاعب الغربي الأكبر، هو الولايات المتحدة الأميركية. والقضايا الأكثر أهمية، التي نشير إليها هي:

- انفصام عرى الروابط بين سوريا ولبنان.

- تعاظم دور الأخوان المسلمين في المجلس التشريعي المصري.

- صعود الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد إلى سدة الحكم.

- ازدياد سخونة الأوضاع في العراق.

كان الانسحاب العسكري السوري من لبنان، وانفصام عرى العلاقة السورية اللبنانية الرسمية، من أبرز أحداث العام، وقد جاء ذلك، تنفيذاً لقرار مجلس الأمن الدولي 1559، القاضي بخروج القوات الأجنبية من لبنان. وقد اتخذ هذا القرار، على قاعدة حصول أكبر عملية اغتيال في لبنان، طالت رئيس وزرائه الأسبق، السيد رفيق الحريري.

إن انتهاء دور الحضانة السورية للبنان، ونهاية الوجود العسكري السوري على أراضيه، هو نهاية حقبة هامة من تاريخ البلدين، يرجع تاريخها إلى عام 1976، عندما أرسل الرئيس السوري السابق، حافظ الأسد، جيشه إلى لبنان، لحماية الفصائل المارونية المسلحة، التي كانت على وشك تَجرع هزيمة محققة، على أيدي الفلسطينيين.

ولو اقتصر قرار مجلس الأمن المذكور آنفاً، على ضرورة الانسحاب العسكري السوري من لبنان فقط، لهان الأمر، إلا أن هنالك تداعيات أخرى، لا تزال تنتظر بعض الاستحقاقات، خاصة وأن الملف الذي كتب سطوره الأولى، قاضي التحقيق الألماني، ديتلف ميليس، لم يغلق بعد.

ورغم ما شاب العلاقات السورية اللبنانية، على المستوى الشعبي، من شرخ كبير، إلا أنها ستتخذ منحى آخر في المستقبل، يفرضه الواقع الجغرافي والاقتصادي والتاريخي، فالشعبان السوري واللبناني، تربطهما مصالح اقتصادية، وعلاقات تاريخية، وصلات أُسرية، لا مفر من أخذها، بنظر الاعتبار، لصالح البلدين.

من جانب آخر، شهدت الانتخابات التشريعية المصرية، تغيراً في الخارطة السياسية، تتمثل في مضاعفة الأخوان المسلمين، لعدد مقاعدهم في المجلس التشريعي، ليشكلوا نسبة 20 % منه. وهذا حدث على درجة كبيرة من الأهمية، خاصة عند الأخذ بنظر الاعتبار، أن هذه الحركة محظورة في مصر، مما يعني بأن هذه النسبة، على مستوى الشارع المصري، هي في الحقيقة، أكبر من ذلك بكثير.

أما صعود الرئيس الإيراني، محمود أحمدي نجاد، إلى سدة الحكم، في الانتخابات الرئاسية الإيرانية، فهو الآخر مؤشر، على مدى هيمنة التيار الديني المتشدد، على الشارع الإيراني. وقد توقع المراقبون في ضوئه، المزيد من الإيغال، في المواقف المتشددة الإيرانية، على المستويين المحلي والإقليمي، سيما وأن العلاقات الأميركية الإيرانية، في طريقها إلى المزيد من التدهور.

وشهد العراق، عام 2005، ثلاث عمليات استفتاء كبيرة، اثنتان منها لانتخاب المجلس النيابي، والثالثة للاستفتاء على مسودة الدستور الدائم. وفي الحالات الثلاث، كان التيار الديني، هو الأكثر هيمنة على الشارع.

ويشهد المسرح العراقي كذلك، تغيراً هاماً، في البنية السياسية، للمؤسسة الحاكمة، يتمثل في إزاحة نخب سياسية (ليبرالية في أغلب الأحيان)، ورثت الحكم منذ تأسيس الدولة العراقية، في بداية عشرينات القرن المنصرم، وصعود نخب سياسية جديدة، بانتماءات أخرى، ولكن بلبوس ديني.

هذه ثلاث تجارب انتخابية، لم تطعن الولايات المتحدة في مصداقيتها، قد أفرزت واقعاً، لا يتلاءم مع المشروع الأميركي، في الشرق الأوسط، ولا يتناغم معه. ففي الدول الثلاث هذه، مصر وإيران والعراق، وهي من أهم دول منطقة الشرق الأوسط، أماطت هذه الانتخابات اللثام، عن مدى التراجع الكبير، في مساحة الساحة الليبرالية، وهي الساحة الأكثر قرباً، من الطروحات الغربية، والأكثر واقعية، في التعامل مع القضايا المحلية والدولية، والأكثر قدرة في الحفاظ على الاستقرار في بلدانها.

كما شهد هذا العام تصاعداً في العمليات العسكرية، في العراق، ضد الوجود الأجنبي، وخاصة الأميركي، قابله على الطرف البعيد في واشنطن، مزيد من الضغوطات من قبل الرأي العام، التي تتعرض لها الإدارة الأميركية، من أجل الانسحاب من العراق وبسرعة، بسبب تزايد كلفة الوجود العسكري، البشرية والمادية.

ستلعب هذه القضايا، على مدى الحقبة المقبلة، دوراً هاماً في تحديد ملامح الشرق الأوسط، وتوجهاته المستقبلية، وهي بالتالي ستعمل على رسم صورة الشرق الأوسط المقبل، فهل أن ما بان حتى الآن، من ملامح الصورة المتوقعة، يرضي الولايات المتحدة، ويطمئنها على مصالحها، ويشجعها على المضي قدماً في تنفيذ مشروعها في الشرق الأوسط.

للولايات المتحدة، مشروعها المعلن، وهو مشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي يتطلب إعادة رسم ملامح العالمين العربي والإسلامي، حتى لو تطلب ذلك استخدام القوة العسكرية، وإجبار دوله على وضع آليات اقتصادية، يتم من خلالها، الانخراط التام في السوق العالمية، وممارسة اللعبة الديمقراطية، التي يمارسها الغرب، في تقرير نوع الحكم.

لقد أبان عام 2005، بأن على الولايات المتحدة، أن تخفض من سقف طموحاتها في الشرق الأوسط، فهي على المستويين العسكري والمالي، قد بدأت تبدي بعض العجز، فقد استنفدت الحرب في العراق، الكثير من مواردها المالية والبشرية،

وأبان إعصار كاترينا مدى هشاشتها، وضعف قدراتها، في خوض حروب، غير تقليدية، كما يحدث في العراق، وكما حدث مع الأعاصير المدمرة. سوف يشهد العام المقبل، انحسارا في قناعات الإدارة الأميركية نفسها، حول جدوى المحاولة، في رسم خرائط عالم له خصوصياته المتمسك بها، بعيداً عن سنن التطور الطبيعي.

majamal@emirates.net.ae

كاتب عراقي