بعد أن فقدنا الدهشة صرنا نخترع دهشتنا اختراعاً، كمن يتحايل على حواسه ليشعر بلذة الأشياء خوفاً من تهمة عدم الاحساس، وبعد ان فقدنا متعتنا بالتفاصيل الصغيرة صرنا نقنع أنفسنا بأن مشاهدة فيلم أميركي سخيف يعلم الجنس بشكل مقزز هو نوع من الثقافة وتلاقح الحضارات! وبعد ان هزمنا من قمة الرأس إلى أخمص القدمين صرنا نصنع انتصاراتنا التي تناسبنا تماماً في الغناء والرقص وكرة القدم وتناسل الفضائيات الغنائية!

قلت لأحد الأصدقاء: «فيما مضى لم نكن نملك الكتب بهذه الكثرة، ونادراً ما تجد مكتبة تبيعها، ومع ذلك كنا نقرأ، نبحث عن الكتب، نوصي أحد القادمين أو الذاهبين إلى مصر أو لبنان أو العراق ليحضرها، كنا نتهافت على مجلة يحضرها أحدهم من أسفاره، وعلى قصاصة صحيفة تحوي قصة أو خبراً أو نصاً أدبياً، اما اليوم فالكتب في كل مكان، والمكتبات تملأ المدينة، ومعارض الكتب لا تنقطع.. لكننا لم نعد نقرأ! فقال ما كنت أتوقعه: «لم يعد هناك وقت للقراءة، الوقت صار ضيقاً جداً» فهل صار الوقت ضيقاً فعلاً؟!

لا، الوقت لم يعد ضيقاً، نحن الذين أصبنا بالتخمة، وزاد وزننا على مساحة الوقت وصفحات الكتاب، فلا تضيق الملابس على صاحبها، وإنما هو الذي يصاب بالسمنة ويزيد وزنه، نحن في كل أمورنا أصبنا بالتخمة، تخمة الاهتمامات ذات الصبغة المادية، تخمة اهتمامات اللا جدوى واللا مردود، فقدنا متعة الوقت بالقراءة والقراءة خلال الوقت، لم يعد الكتاب مهماً، لأنه لا منفعة مادية من ورائه، فلا يدر مالا، ولا يحقق مصلحة.

صديقتي تقول: «لم تعد هناك بركة في الوقت قلت لها: «في الحقيقة ـ ان كنا سنحتمل الحقيقة ـ نحن الذين لم تعد فينا بركة، وليس الوقت، لم يجب ان نتهم كل شيء خارجنا، خارج شخوصنا وذواتنا ونفوسنا بتهمة ما آل إليه أمرنا، من دون ان نحمل أنفسنا جزءاً من التهمة، وكأننا استمتعنا بدور المفعول به دائماً في جملة الحضارة سواء أكنا افراداً أو شعوباً؟

يقول الفيلسوف الجزائري «مالك بن نبي» ان الحضارة مركب ـ مثل أي مركب كيميائي ـ تحتاج إلى ثلاثة عوامل لتكتمل وتتحقق، الإنسان والوقت والموارد المتاحة.

فالإنسان أولاً، هو الذي يتحكم في الوقت، يعيد تصنيعه، وطريقة التعامل معه وتحويله إلى طاقة انجاز، أو بطاقة دخول إلى الخمول والعدم.

لدينا كثير من الوقت بدليل كل هذه البرامج والمسلسلات والفضائيات، وساعات الثرثرة الفارغة على الهواتف النقالة، التي نعطيها كل هذه الساعات من أعمارنا من دون مقابل. ألا نخشى ان يحل البوار بأعمارنا حين نرديها بهذه الساعات من الخواء واللامبالاة؟ ألا نخشى أن تصير أعمارنا بلا بركة؟

sultan@dmi.gov.ae