ممارسات كثيرة، تصدر عنّا دون قصد غالبًا، ولكنها تحمل بين طياتها دلالات تغوص بعمق في ماضينا، بحيث لو حاولنا نفيها أو التملص منها سنجدها قابعة في كل ركن وزاوية من زوايا نفوسنا، وذاكرتنا، سواء رغبنا بها أم لم نرغب.

ولعلّ معظمنا لا يلتفت إليها لأنها أصبحت جزءًا من سلوكنا الطبيعي، مثلها مثل أي فعل أو رد فعل يصدر بتلقائية في أي موقف، خلال أي زمان وفي أي مكان. ونتيجة لشيوعها وطول الألفة بها لا تجد هذه الممارسات من يستنكرها حتى توشك أن تبدأ بالجريان في مجرى تنساب فيه انسيابًا دون أن يعترضها حجر استنكار أو رفض.

وفي هذه الحالة لا بد من التنبيه على خطورة مثل هذه الممارسات التي تندّ عن بعض أفراد المجتمع دون أن يعوا خطرها، أو ضررَها، أو أثرَها، لا عليهم فقط، ولا على الأفراد المحيطين بهم، إنما على صورة مجتمعهم في عيون الآخر المختلف عنه، ثقافة وعقيدة وحضارة.

وإذا تتبعنا بعض الممارسات التي لا تمت إلى ديننا ولا إلى عاداتنا وتقاليدنا وأعرافنا، ووضعناها تحت المجهر، وأتبعناها بلمحة سريعة عن رد فعل الآخر لممارساتنا هذه.

والصورة التي تتشكل في ذهنه عن مجتمع ينمو ماديًا بسرعة قياسية، ولكنه في الوقت ذاته يقوم بممارسات لا تتفق مع ما يوحي به مظهره الخارجي ستتضح الفكرة المقصودة، وتتكشف بعض تلك الممارسات أمام أفراد المجتمع، مما يساعد على تجنبها وتجنب الآثار السلبية الناشئة عنها.

إننا جميعًا نحرص، في دولة الإمارات، على أن نبلغ المستوى الأعلى والأفضل في كل جانب من الجوانب الحياتية، فطوّرنا العمران، والاقتصاد، ونسعى حثيثًا للارتقاء بالعملية التعليمية في كل مستوياتها.

كما نثب بخطوات واسعة للحاق بركب الثورة المعلوماتية ومتابعة الإنجازات المتجددة لحظيًا في عالم الاتصالات، لحرصنا جميعًا، أفرادًا وحكومة، على أن نكون الأفضل، وأن نقدم النموذج المحتذَى لغيرنا في كل شيء.

ولكن اللافت للنظر هو أننا انشغلنا كثيرًا بالتجديد والتطوير في الجوانب المادية المذكورة أعلاه، والتي لا ينكر أهميتها عاقل، كما أولينا عناية خاصة لبناء شخصية سوية للمواطن الإماراتي، ومع هذا يوجد نوع من الممارسات التي تصدر عن بعض الأفراد، باطراد واستمرار، حتى أصبحت سمة مميزة وعلامة دامغة للمواطن في نظر الآخر الذي يقبع بين ظهرانينا.

ودون أن أوجه لومًا أو اتهامًا، أودّ أن ألفت النظر أولا إلى أن هذه الممارسات لا تصدر عن وعي وتعمُّد بقدر ما تصدر بتلقائية الجهل وعدم الإدراك لأبعادها الخطيرة على المدى الطويل. وسأكتفي بالتمثيل بمثاليْن على هذه الممارسات، يضمّ كلٌّ منهما عددًا من المشاهد المرتبطة ببعضها.

المثال الأول هو عدم احترام النظام. وإذا كنا نستطيع أن نقول إن معظم أفراد المجتمع الإماراتي يحترمون النظام، ويلتزمون به، فإننا لا يمكن أن ننفي وجود عدد كبير أيضًا لا يحترم النظام، ولا يعترف به في بعض الأحيان. ولا يوجد مثال يوضح هذه الفكرة أكثر من مثال (الطوابير) وما يُسطّر على هوامشها وحواشيها ببصمات محلية غالبًا.

ويستطيع الكثيرون منا أن يستحضروا وهم يقرأون سطوري هذه مواقف حدثت معهم شخصيًا، يقوم فيها واحدٌ منّا بالتسلل من خلال (الطابور)، دون اهتمام بجموع المنتظرين قبله ليفرض على الموظف أيا كانت جنسيته أن يقبل به وينهي معاملته قبل الآخرين، لا لسبب مقنع سوى أنه (مواطن!)، أو لأنه -ببساطة- لا يريد أن يقف في (الطابور)!!

كما يمكن أن نرى المشهد ذاته في الشوارع المزدحمة، حيث يتسلل السائقون من خلال المسارب الجانبية ويفرضون أنفسهم بالقوة على المسار الأصلي دون أدنى احترام لوقت هؤلاء المنتظرين الملتزمين بالنظام.

إننا لا ندرك حتى الآن قيمة النظام، ولا دوره في حفظ أوقاتنا وحقوقنا. كما أننا لا نعي حقيقة أن احترامنا للنظام سيكون بمثابة واجهة حضارية تعكس إيماننا بأهميته في إنجاز أمورنا الحياتية العظيمة والبسيطة بيسر.

أما المثال الثاني فهو عدم احترامنا لحقوق الآخرين. وأقصد بحقوق الآخرين كل ما هو عام ومشاع، ومن حق أي فرد من أفراد المجتمع أن يتمتع به.

وأبسط مثال على ذلك مواقف السيارات في المجمعات التجارية، والمؤسسات الحكومية، وغيرها؛ فمن الملاحظ أن بعض الأفراد (الشباب خصوصًا مع احترامي لهم) لا يقيم وزنًا لحق أي مرتاد للأماكن العامة بالتمتع بموقف لسيارته، موقف واحد للسيارة الواحدة، فنجد أن بعض السيارات تقف بشكل جانبي مائل، وبعضها يأخذ حيزًا من مساحة الموقف المجاور له فإذا بالمساحة المتبقية أضيق من أن تسمح بوقوف سيارة أخرى.

ومع الازدحام المتفشي في البلاد في الآونة الأخيرة تصبح الحاجة إلى كل موقف ضرورية وماسّة، ومع هذا لا يزال الكثيرون مصرّين على التعامل مع الممتلكات العامة باستهتار وكأنها تدخل في ملكيتهم الخاصة!

ويدخل في بند احترام حقوق الآخرين وقوف بعض السائقين، ممّن أمدّهم الله بالصحة والعافية، في المواقف المخصصة للمعاقين (رغم قلتها)، مع أنه سلوك يتنافى مع كل القيم الأخلاقية التي نشأنا عليها.

هذان مثالان على بعض الممارسات، التي نظنها صغيرة وبسيطة، لا تستحق التوقف عندها، دون أن ندرك أنها تعطي للآخر دلالات سلبية عنّا، مع أنها لا تنتمي لا إلى ديننا الحنيف، ولا إلى عاداتنا وتقاليدنا.

أخبرتني إحدى الصديقات أنها سمعت حوارًا بين زوجين أجنبيين في مطار دبي، تطلب الزوجة فيه من زوجها أن يفعلا مثل المواطنين والعرب، ويتسلّلا من جانب (الطابور) الطويل الممتد، بعد أن رأت الفوضى وعدم احترام النظام، فردّ عليها مستنكرًا وقال: لا تكوني مجنونة، هذه أخلاق العرب!

sunono@yahoo.com

جامعة الإمارات