بداية أشير إلى خصوصية تتصف بها الجالية العربية في أميركا: فأفراد الجالية الذين هم أبناء ثقافة واحدة لكن ينتمون إلى دول وأوطان متعددة، يأتون إلى أميركا التي هي وطن وبلد واحد لكن يقوم على أصول ثقافية متعددة.

ولهذه الخصوصية انعكاسات مهمة جداً على واقع ودور العرب في أميركا. فهم بنظر المجتمع الأميركي، وحتى المنطقة العربية، «جالية واحدة»، بينما واقع الأمر أنهم يتوزعون على «جاليات» عربية. وتنشط غالبية الجمعيات من خلال تسميات خاصة بالأوطان، بل بعضها يحصر انتماءه في أطر مناطقية من داخل البلدان العربية.

وقد أدت هذه الخصوصية إلى كثير من المعضلات في دور العرب على الساحة الأميركية. فالتسمية النظرية: جالية عربية، بينما الواقع العملي في معظمه هو تعدد وانقسام على حسب الخصوصيات الوطنية أو المناطقية أو الطائفية أحياناً، إضافة طبعاً للصراعات السياسية التي تظهر بين الحين والآخر.

ورغم مضي أكثر من قرن على بدء الهجرة العربية لأميركا، فإن واقع العرب في أميركا استمر كمرآة تعكس حال العرب في البلاد العربية. ولم يستفد العرب في أميركا بشكل عميق من طبيعة التجربة الأميركية التي قامت وتقوم على الجمع بين تعدد الأصول الثقافية والعرقية.

وبين تكامل الأرض والولايات في إطار نسيج دستوري ديمقراطي حافظ على وحدة «الأمة» الأميركية، المصطنعة أصلاً، وبناء دولة هي الأقوى في عالم اليوم. ولعل حال العرب في أميركا شبيه بقصة الفيل الذي رُبطت أقدامه بسلاسل من حديد لفترة طويلة وكان يتألم كلما حاول الحراك، ثم أُستبدل الحديد بخيوط رفيعة ورغم ذلك أمتنع الفيل عن الحركة بحكم التعود على السلاسل!

ففي ظل هذه «البيئة العربية» في أميركا بدأت وتستمر تجربة «مركز الحوار العربي» في واشنطن التي مضى 11 سنة على تأسيسها، جرت خلالها 619 ندوة حتى الآن، بشكل ندوات أسبوعية وحوارات دورية لتشجيع العرب على أسلوب الحوار فيما بينهم بغض النظر عن اختلافاتهم الفكرية والسياسية.

وعن خصوصياتهم الوطنية والدينية والإثنية. فالعرب يشتركون في ثقافة عربية واحدة لا تقوم على أصل عنصري ولا يختصّ بها أبناء دين دون آخر.. ثقافة عربية هي الآن الرمز الوحيد الباقي فاعلاً للتعبير عن انتماء العرب إلى أمّةٍ واحدة ذات مضمون حضاري واحد.

ومع هذه الحوارات العربية ـ العربية، يقيم «مركز الحوار العربي» شهرياً ندوة باللغة الإنجليزية لتعزيز الحوار العربي ـ الأميركي ولتعميق تفاعل الأميركيين مع قضايا عربية ولعرض أفضل للثقافة العربية القائمة على مضمون حضاري غني بالقيم الدينية والروحية والخلقية.

فتأسيس «مركز الحوار العربي» يوم 18 ديسمبر 1994 كان حالة «مختبرية» لما هو مطلوب على صعيد عربي عام، وأينما كان، وذلك بأن يتفاعل العرب مع بعضهم البعض بشكل حضاري لا صدامي..

وأن يتفهم صاحب أيّ رأي، مضمون الرأي الآخر، إذا تعذر التفاهم مع هذا الرأي الآخر، وكجزءٍ من مجتمعٍ يحرص الجميع فيه على ضمانة حرية الفكر والرأي والقول والمعتقد.

إنه أيضاً حالة «مختبرية» لأهمية الخروج من شرنقة الفكر الضيق وضرورة الانفتاح على الفكر الآخر.. هو دعوة لعدم الاكتفاء فقط بالنظر الدائم إلى الذات في المرآة بل إلى النظر أيضاً عبر النافذة ورؤية ما يحدث حول «البيت» وعند الآخر.

المركز يعد أيضاً حالة «مختبرية» لما هو طموح عند الكثيرين من العرب بأن تصل البلاد العربية، إلى ما وصلت إليه كحدٍّ أدنى دول أوروبا الغربية (المتعددة الثقافات واللغات والمصالح والقوميات والأديان) من قناعة بأهمية التكامل فيما بينها، على أساس من الاختيار الحر للشعوب، اقتصادياً وتجارياً ومالياً واجتماعياً، بغضّ النظر عن فوارق الأنظمة والمجتمعات والمصالح السياسية الآنيّة.

ومن خلال الحوار تزداد القناعة لدى المئات من الكفاءات العربية المهمة المتفاعلة بشكل دوري مع ندواته، بضرورة التكامل بين البلاد العربية وبأهمية إعطاء النموذج العملي لذلك (تفاعل عربي مشترك) من خلال التفاعل الذي يحدث في «مركز الحوار العربي»، حيث يلتقي أسبوعياً من هم أصلاً من أوطانٍ عربية مختلفة، ومن اتجاهاتٍ فكرية وسياسية متعددة، ومن مواقع مهنية وعلمية متباينة.

إنها تجربة عربية جديدة غير مسبوقة، بما هي عليه من طبيعة وأسلوب وهدف. فهناك لقاءات عربية مهمة عديدة، تحدث في أكثر من مكانٍ وزمان، لكنّها بطابعٍ موسمي سنوي أو محكومة بخصوصية وطنية (مكان حدوثها)، أو بخصوصية دينية أو فكرية أو سياسية أو إعلامية، أو هي مزيج لعربٍ وغير عرب، ولوقتٍ محدد أو هدف مؤقت.

لكن رغم ذلك، اعتبرُ الحوار العربي أينما كان، وليس فقط من خلال تجربة المركز، اعتبره مهماً لمسألتين متلازمتين معاً: هوية للواقع ودور للمستقبل.

فالحوار العربي ـ العربي، هو حوار بين أبناء ثقافة واحدة لكنهم ينتمون إلى دولٍ وكيانات متعددة. لذلك يصبح الحوار بين العرب مدخلاً لتأكيد الانتماء لأمّةٍ واحدة ولو كانت قائمة على دولٍ متعددة. كذلك، بالنسبة للعرب، فإنّ أسلوب الحوار هو قاعدة أساسية مطلوبة لإحياء وبناء مفاهيم ثقافية عربية تضمن وجود الرأي الآخر وحقه بالتعبير.

إن الهوية الثقافية العربية ومضمونها الحضاري، أساس لبناء أي دور عربي مستقبلي أفضل في أي مكان. كذلك بالنسبة للعرب في أميركا حيث لا يمكن تحقيق دور عربي فعّال في المجتمع الأميركي ما لم نحقق أنفسنا أولاً.

وتحقيق الذات لا يمكن أن يتم في فراغ فكري وثقافي، ف«فاقد الشيء لا يعطيه»، ولا يمكن تحسين «صورة» العرب والمسلمين في أميركا ما لم يتحسن وضعنا أولاً: فكراً وأسلوباً. فتحسين «الأصل» هو المدخل لتحسين «الصورة».

إن المشاركة الدائمة والتعاون الحاصل بين معظم المشتركين في الحوارات، حقق ويحقق الأهداف التالية:

* معرفة أفضل للقضايا العربية ولمعنى العروبة وللهوية الثقافية العربية، وللتلازم بين العروبة ومضمونها الحضاري الذي يشمل العرب المسلمين وغير المسلمين منهم..

* أسلوب أفضل للحوار وبناء قواعد وضوابط للتحاور وتبادل الآراء والتفاعل العربي المشترك.

* دور أفضل في المجتمع الأميركي من حيث عرض القضايا وأسلوب التعامل.

* توظيف الأنشطة الدورية لصالح أنشطة الجمعيات والمؤسسات العربية عموماً.

إنها تجربة متواضعة بإمكاناتها، لكنها تعتز بحضورها النوعي وبأسلوب الحوار فيها القائم على مخاطبة العقل والفكر، بدون أي قيد، إلاّ شرط الاحترام المتبادل للأشخاص والآراء معاً.

وإذا كانت الإمكانات المادية الضئيلة جداً هي التي تُسّير «مركز الحوار العربي» الآن، فإن الهدف البعيد هو تطويره ليكون مؤسسة أبحاث فكرية وثقافية، تستفيد من إيجابيات الساحة الأميركية وما فيها من حريات ومن كفاءات عربية مهمة جداً.

لقد نجحت التجربة في أن تكون تجربة فكرية عربية جامعة ترمي، عن طريق تحاور حر ومتواصل، إلى توسيع القاعدة المعرفية وتعميقها لبناء رؤية عربية معاصرة، موضوعية ومتزنة في نظرتها إلى الذات والغير.. وتسعى إلى إعادة ثقة العربي في جدارته الحضارية وفي قدرته على التعامل مع الحاضر والمستقبل بحكمة وتأثير، وبوعي فكري عميق، وبأسلوب عملي أفضل.

alhewar@alhewar.com

مدير «مركز الحوار العربي» في واشنطن