قد يكون مفهوما أن يكتب الخبير السياسي فوكوياما دراسته «نهاية التاريخ» الصادرة عام 1990 في إطار الاحتفال - بل هي الشماتة السياسية - بانتصار الغرب الرأسمالي في الحرب الباردة على الشرق السوفييتي الشيوعي..

وقد يكون مفهوما أن يصدر البروفيسور جيفري ساكس كتابا بعنوان «نهاية الفقر» في عام 2005 في محاولة من جانبه ترمي إلى فتح آفاق اقتصادية جديدة أمام دول العالم..

لكن ما الذي يدعو صحافياً أميركياً كبيراً مثل مايكل ماسنغ إلى كتابة دراسة عن أوضاع الصحافة الأميركية وعلاقتها بالإدارة الحالية في البيت الأبيض ثم يختار لها للدراسة عنوانا رئيسيا هو «نهاية الأخبار» ويشفع ذلك بعنوان آخر هو «الصحافة: العدو الداخلي المستتر».

هذه الدراسة نشرتها على عددين مجلة نيويورك ري؟يو المعنية بإصدارات الكتب (1 و19 ديسمبر 2005) وحاول فيها كاتبها أن يتابع من منظور الدرس والتحليل أبعاد الأزمة التي يعيشها حاليا الإعلام الأميركي فضلا عن ظاهرة التوتر التي تشوب علاقاته مع أركان إدارة الرئيس بوش الحاكمة.

ونحسب أن كاتب الدراسة اختار لها عنوان «نهاية.. الأخبار» في إشارة من جانبه إلى أنه يعد الأخبار هي العمود الفقري للصحافة في مفهومها الحديث وربما كانت كذلك مبرر وجود هذه المهنة بكل ما تحفل به من تقاليد وسلوكيات وأعراف..

وإذا كانت الصحافة في التحليل الأخير عبارة عن رأي وخبر، فإن الرأي يمكن نشره في كتاب في حين أن الخبر لا سبيل إلى إذاعته وبالتالي معرفته والإلمام به سوى في تلك المطبوعة التي تحمل اسم الصحيفة أو الجريدة، ومن ثم في تلك الفقرة المذاعة مسموعة كانت أو مرئية التي تحمل عنوان «نشرة الأخبار».

هذه الوظيفة في الإحاطة أو الإبلاغ التي تقوم بها الصحافة المطبوعة أو المذاعة سمعيا وبصريا.. ثم الكترونيا عن طريق الحواسيب - هي التي صاغت لمهنة الإتصال اسمها وتعريفها الحِرَفي (بفتح الراء) وخلعت عليها من ثم وصف الإعلام..

وعلى ممارسيها - على اختلاف مواقعهم وأساليبهم وصف الإعلاميين.. باعتبار أنهم كرسوا أنفسهم لكي يؤدوا أولى مهام حرفة الإتصال وهي تزويد الجمهور بالمعلومات - الأخبار ولكن بطريقة مشوقة من حيث العرض والتقديم والتنفيذ وبهذا يجمعون - مهنيا - بين التوعية وبين التثقيف (المهمة الثانية) وبين الترويح بل الترفيه (المهمة الأخيرة).

ولما كانت موضوعيا هي حاضنة حرفة الإعلام وعلوم الإتصال الجماهيري بمفهومها الأحدث والأكثر تقدما وخاصة بعد تجارب الحرب العالمية الثانية..

فضلا عما أحرزته صحافة أميركا بوسائطها المختلفة من تقدم في مضمار تكنولوجيا البحث أو الطبع أو العرض ومن خبطات - إنفرادات مازال بعضها مسجلا في حوليات الصحافة الحديثة ولعل أقربها دور جريدة .

واشنطون بوست مثلا في إسقاط رئاسة ريتشارد نيكسون وسط ملابسات فضيحة ووتر جيت - فالحاصل أن ما يطرأ على المشهد الصحفي في الولايات المتحدة من تطورات أو مستجدات بل وتقلصات وسلبيات وتشنجات ما برح يحتل بؤرة اهتمام المتابعين للشأن الإعلامي في بقاع شتى من عالمنا.

لهذا يسترعي أنظارنا أبعاد الأزمة التي عرض لها مايكل ماسنغ في دراسته التي ألمحنا إليها حين أكد أن إدارة بوش الحالية باتت تفرض ستار السرية على الوثائق والمستندات المرجعية الحكومية بأكثر مما فعلت أي حكومة سبقتها في واشنطون .

وبحيث يحال بين الصحفيين وبين الإطلاع على المعلومات والبيانات من مصادرها ومظانّها الأصلية (فرضت هذا الحظر في عام 2004 وحده على 6,15 مليون وثيقة) ولدرجة أن جمعية محرري الصحف الأميركية - رغم تاريخها المسالم المعروف .

كما يقول مايكل ماسنغ - اضطرت إلى إصدار بيان أقرب إلى «إعلان الحرب» في الأشهر الأخيرة من أجل العمل على وقف هذا التيار المعادي لحرية الصحافة بما يؤدي إلى حرمان الصحفيين من مصادر مهمة للمعلومات..

لدرجة أن كاتبا شهيرا مثل ويليام سافاير وهو في العادة من غلاة مؤيدي سياسات بوش وحكومته كتب في سبتمبر الماضي شاكيا من أن «حق الأميركيين الأساسي الأصيل الذي تكفله لهم الصحافة الحرة في اختراق وانتقاد أعمال حكومتنا أصبح معرضا للهجوم بصورة لم يسبق لها مثيل».

المشكلة أن الأمر لم يقتصر على دوائر الحكومة أو أركان الإدارة الرسمية.. بل تعدى الأمر إلى قيام شكل جديد وخطير من التعاون بين دوائر الحكم وبين ما يسميه «ماسنغ» بأنها عناصر المحافظين الجدد واليمين المسيحي في الولايات المتحدة. حيث أدى هذا التعاون إلى شنّ حملة وصفها بأنها محكمة التنظيم .

وسخية التمويل جمعت بين الخبر والرأي وتوسلت بوسائط وأساليب صحفية شتى ما بين الرسائل الإخبارية المطبوعة والمؤسسات الفكرية وبرامج الأحاديث المطولة المذاعة بالراديو ونشرات الأخبار المنقولة عبر محطات التليفزيون ومن خلال شبكة الانترنت.. وأثمر هذا كله..

وبمساندة البيت الأبيض، حملة كانت ترمي بالدرجة الأولى إلى التهجم على وسائل الإعلام الوطنية والقومية التي تحاول جاهدة أن تقوم بمهامها أو تنهض برسالتها.. وتهدف الحملة إلى الحط من شأن تلك الوسائل والى تشكيك الجمهور في مصداقيتها .

وتستخدم في ذلك شعارا يصف تلك الوسائل المهنية - الوطنية بكلمة من ثلاثة حروف هي: «إم. إس. إم» في إشارة إلى وسائط الإعلام الوَسَطية الاتجاه أو هي إشارة ، إلى «ميديا سقط المتاع» إن جاز التعبير.

هل معنى ذلك أن الخطأ يقتصر على إدارة بوش الحاكمة وحدها.. أو حتى على عناصر اليمين الرجعي المحافظ المتحالف معها؟

الإجابة هي بالنفي على نحو ما يكتب مايكل سوكولو أستاذ الصحافة في جامعة ولاية مين الذي ينعي على الإعلاميين نظرتهم المتشككة في كل شئ.. المتشائمة إزاء كل ظاهرة.. والمبادرة إلى العداء تجاه كل ما يبدر عن دوائر الحكم من إجراءات أو قرارات أو آراء.

أستاذ علم الصحافة نشر مؤخرا مقالة في دورية «بوسطن غلوب» بعنوان له دلالته الذاتية وهو: «عندما تشتبك الحكومة والصحافة في حرب بينهما» يحذر فيها من أن هذه الحرب لن يكون الخاسر فيها سوى الجمهور الأميركي الذي يتصور الطرفان أنهما في خدمة توعيته وترقية حياته.

من جانبه يسهب الأستاذ مايكل ماسنغ في نقد تصرفات إدارة بوش من حيث التضييق على الصحفيين والإعلاميين ومن حيث إذاعة معلومات ثبت زيفها فيما بعد (أسلحة صدام للدمار الشامل أنموذجا) لكنه لا يملك في سبيل موضوعية التحليل سوى أن ينبه إلى السلبيات الهيكلية أو البنيوية التي أصبحت من سمات المشهد الإعلامي الراهن في الولايات المتحدة .

ويبادر في هذا السياق إلى تحديدها في سلبيات يأتي في مقدمتها سيادة الإعلان التي تجسد سطوة رأس المال.. إضافة إلى ظاهرة الاستخفاف بوعي الجماهير وسوء تقدير مصالحها.

عن سيادة الإعلام يقول ماسنغ:

- أبلغني أحد العاملين في مجلة تايم أن عدد «المشاهير المائة» الذي تصدره المجلة الكبيرة في كل عام يكتسب أهميته وقيمته (لا من قيمته الإعلامية أو المعرفية) ولكن من مبالغ الإعلانات التي يعود بها على المؤسسة.

وعن الاستخفاف بوعي الناس.. يسوق ماسنغ أيضا نموذج المذيع التليفزيوني أندرسون كوبر: لقد ذاعت شهرته حين تابعه الناس وهو ينقل وقائع إعصار كاترينا وارتفع نجمه بفضل تعاطفه مع الفقراء والمستضعفين من ضحايا الإعصار وانتقاداته لتقصير الجهاز الحكومي.. وبذلك استحق الترقية في نوفمبر الماضي إلى حيث أصبح يقدم نشرة أخبار المساء على شبكة «سي. إن. إن».

لكن لم تمض سوى أسابيع رأى كاتب الدراسة بعدها أن يتابع مسيرة المذيع الذي أصبح نجما.. وفتح كاتبنا الجهاز ليفاجأ بأن أندرسون كوبر ترك كل مشاكل الناس وقضايا الوطن وانغمس في تقديم برنامج تافه حول... فحولة رجال نيويورك في الفراش.. هنالك ختم ماسنغ دراسته بعبارات تقول:

- في تلك اللحظة.. بدت لي شخوص كاترينا وكأنها هائمة تسبح في مدار.. بعيد.. بعيد.

كاتب مصري