أعتقد أن قرابة مئة سنة مرت والمرأة العربية لم تنتصر بعد في مواجهتها للتحديات القسرية التي أشبعتها بالقساوة والضنك والعزلة وكللت حياتها بالآلام والأحزان المريرة خصوصاً عندما نعلم أن النسوة قد أسهمن في بناء أقوى الأجيال وأذكى الرجال وأروع الخصال.
ولا يمكننا إحصاء ما أنجزته المرأة من أدوار فاعلة ونشيطة ومبدعة في الحياة، إذ تبدو لي أنها أكثر قدرة على الإنتاج والوطنية والتنظيم من الرجل في مجالات معينة. انها ذات حركة وفاعلية ساخنة منذ زمن الطفولة العربية عندما تعتني بنفسها وبذاتها وعزة نفسها والاعتناء بسيرتها والحفاظ على كبريائها وأخلاقها وسمعتها والاعتزاز ببيئتها ومواريثها..
وتكبر ويكبر معها حلمها ببناء فضاء من الأمنيات الجميلة، وأنها أعمق من أن تكون امرأة عادية قبل حطام التحديات التي صادفتها في العقود الثلاثة الأخيرة عندما حقنت بالتقوقع والتهميش والأوجاع والأسقام.
من خطوات التقدم إلى تراجع الخطوات لقد وجدت المرأة العربية نفسها مندفعة لتحقيق عدة أدوار منذ بعيد الحرب العالمية الثانية، وأسهمت جملة عوامل في تقدمها وصياغة تفكيرها المدني ومنح الفرص لإبداعاتها، فتبلورت شخصيتها الحقيقية بعد أن كانت مختفية وراء حجب التخلف والسكونية.
لقد بدت عند منتصف القرن العشرين: امرأة مثقفة وبراغماتية وتحمل حداثة إبداعية مستنيرة في التوجهات بعد تخرجّها من المعاهد والجامعات، وبدأت تشارك في الصحافة والكتابة أو في أروقة المحاكم أو في ردهات المستشفيات أو في المدارس والجامعات.. في حين بقيت غالبية النسوة في الريف يعملن بتربية المواشي والزراعة المنتجة للقوت اليومي المحلي..
وهن تجرّبن تقاليدهن القديمة في المدن وتنزعن دوما إلى التسامح مع الرجل الذي تعتبرنه كسوة سميكة لهن ولأولادهن حتى وهو يمارس ضدهن أبشع أنواع القسوة البربرية وهن غير محميات بقوانين مدنية ويخشين أن يطالبن بحقوقهن الشرعية وأحوالهن الشخصية.
لقد عانت المرأة من الفقر والجوع ومشكلة عدم التكافؤ الاجتماعي خصوصا عندما يجبرها أهلوها على زواجها ممن لا تريده أو تطاردها عشائريا حتى تقتل ان تزوجت من دون موافقتهم في بيئات معينة، وبرغم ذلك، فثمة سيطرة مازوشية من قبل الأب والإخوة الذكور أو الأزواج على حقوقها أو مواريثها وهذه عادات غير إسلامية أبداً تشترك فيها مجتمعاتنا العربية !
فالمرأة هي الوحيدة التي تدفع الثمن الباهظ لأحوالها الشخصية وهي الوحيدة التي تغمط حقوقها الشرعية علانية عن قصد وسبق إصرار، ولعل بعض التقاليد والقيم والعواطف تجبرها على قبول تلك الأوضاع المهينة وحتى الإعجاب بها، مع الأسف، إذ يأخذها سيل من العواطف المتنوعة والأوهام البليدة والقيم العائلية.
لقد كانت العهود الجمهورية في بعض البلدان العربية توّلد باستمرار الصدمات الصاعقة للمرأة ! ولأول مرة تجد نفسها وجها لوجه معارضة سياسية تلاحق وتعتقل وتعّذب وتعدم مهما حملت من اتجاهات سياسية، سواء راديكالية أم ليبرالية أم دعوية إسلامية أو غير ذلك !
لقد ضيّقت (الحكومات الثورية العربية) بسياساتها القمعية في قذف اللهب وتحريكه باتجاهات مختلفة وترهيب الناس على قتل روح التحرر الخلاق ووأد جذوة الإبداع وتشويه المثل العليا والقيم والأخلاقيات وخصوصا في شرائح مجتمعات المدن الحضرية القديمة. لقد بدأ الخوف والرعب يسيطران كاملا على المرأة وتكبت مشاعرها وينحر تفكيرها..
وهي تسمع ما حلّ بمناضلات عربيات في الزنزانات المخيفة أو ما تعرّضت له نسوة حرائر سواء من الأبكار أو الثيّبات من الاعتداءات القاسية والمنكرة التي طالت استخدام أجسادهن وأعراضهن أمام محارمهن ببشاعة متناهية من اجل سحب اعترافات لا أساس لها من الصحة أو الحقيقة وهذا ما حصل من قبل أنظمة تدّعي حمل شعارات القومية العربية.
وليس من قبل أنظمة استعمارية ! ان المرأة العربية قد ازدادت معاناتها اليوم ليس بفعل الأنظمة السياسية بل بفعل مقموعات الأنظمة الاجتماعية التي ازدادت شراستها ضد المرأة..
وكأن نظام الكون كله يتوقف إذا ما قالت المرأة كلمتها وأعلنت عن مواقفها أو إنها قدمّت خدمة ما في قيادة سيارتها.. وشاركت الحياة أدوارها!! وهذا من ابرز أسباب الهجرة النسوية العربية إلى الغرب.
المرأة العربية أقوى من كل التحديات
لقد كانت المرأة العربية وستبقى أقوى من كل التحديات التي مرت بها كونها جابهت أقسى المعاملات المأساوية بشجاعة نادرة.. وثمة قناعة راسخة عندي أن المجتمع العربي بكل تنوعاته معين لا ينضب من ولادة نسوة مبدعات في كل المجالات.. مبدعات يلاحقن مبدأ التغيير لتفعيله في الحياة خصوصا إذا ما تمتعن بكل الحريات السياسية والثقافية والشخصية..
مبدعات يعرفن كيف ينتجن اللحظات الثمينة والفرص المتاحة من دون أي غطاء أو تعقيدات أو مكبوتات أو تخوفات ! مبدعات يعرفن أن ثمة رموزا نسوية عربية ستكون أمثلة لهن في التكوين والبراعة وخلق الجماليات والمخلوقات السحرية والأدبية والنماذج التشكيلية العظيمة، ان مبدعاتنا يمتلكن عيونا مفتوحة وآذانا صاغية وخيالاً جامحاً وعواطف مشبوبة وانفعالات ساخنة.
وان قدراتهن على خلق النماذج والأشياء والنصوص في فضاءات المجتمع المتنوع من تربية وصحة وتعليم وشعر ورسم وقصة ومقالة وعمارة ورواية وقانون وتشكيل وموسيقى وإعلام.. تجعلنا نشعر بالسعادة والفخر ولكن يحزنني جدا أن أجد عربيات لا يعرفن أساليب المنازلات الفكرية ولا صياغات الجدل في الثقافة السياسية أو الطروحات الفلسفية.
المرأة العربية والمستقبل
وأخيراً، أتمنى أن تستعد اليوم وهي عند منطلقات القرن الواحد والعشرين لمجابهة تحديات قاسية في كيفية نيل حقوقها كاملة والتمتع بحرياتها المشروعة.. وان تسعى بكل فعالياتها في بلورة المجتمع المدني بعيدا عن الممارسات المخجلة لأناس بدائيين ومتخلفين ومكبوتين ووجوب أن يعاملها الرجل ككائن مستقل له شخصيته وقوته ودوره لا كسلعة أو بضاعة من المفاتن !
وعليها واجب أن تخلق من الوحوش المفترسة بشراً سوياً بوسائل تربوية وعلمية وأخلاقية وحضارية.. وان تسعى لتحقيق ذاتها والدفاع عن قضاياها وتخوض دراما سياسية اجتماعية لممارسة ضغوطات حقيقية من اجل التغيير، وألا تقبل بقوانين وتعليمات مجحفة طالت حقوقها المشروعة..
فضلا عن خلاصها من جملة التناقضات الاجتماعية التي أدخلتها في نفق من الانعزال.. عليها التخلص من أحادية التفكير وان تنفتح سياسيا وحضاريا وثقافيا على كل النوافذ وان تؤسس التجمعات والهيئات والشركات والمنتديات برفقة أخيها الرجل .
وتحقق أمنياتها الخصبة لتمتد في كل الفضاءات المتسعة من آليات التغيير الجديدة وعلى الأنظمة السياسية والاجتماعية العربية قاطبة أن تقر عنايتها بالمرأة وتجيز القوانين والتشريعات الخاصة بها وبأدوارها بمنحها حقوقها وبتنمية قدراتها ومعالجة أوضاعها وتطوير مواهبها من أجل الأجيال القادمة.
مؤرخ عراقي