بعض الإعلام في الإمارات يحتاج إلى مراجعة مضامين، ومساءلة تناقش الأهداف المطلوبة وراء نشر بعض الأخبار وتبني بعض الاتجاهات، وسواء كان الإعلام مقروءاً أو مشاهداً أو مسموعاً، فجميعه أمام مرحلة جديدة من تاريخ الإمارات نعيش ونستشعر جميعاً ارهاصاتها وبوادرها، لكن هذا الاستشعار لا يعني دخول المناطق المحظورة، أو تحطيم كل المحرمات، فهناك في كل القوانين والمواثيق والدساتير المحلية والعالمية ضوابط حتى على الحريات الطبيعية غير القابلة للانتقاص أو التجاوز وتحديداً حرية الرأي والتعبير إحقاقاً للحقوق وتحسباً من الوقوع أو الذهاب إلى التطرف.
بعض الإعلاميين يحتاجون إلى أن يعرفوا أن هناك مناطق مطلوب ومشروع أن يُرفع فوقها شعار: «قف ممنوع الدخول!» وليس ذلك حظراً، أو حجراً على الحريات، فأنا من أشد المطالبين والمتمسكين بل والعاشقين لحرية الرأي والتعبير، لكنني شديدة الحرص على أن تبقى الحرية مسؤولية، وأن يبقى الحق التزاماً، وان لا تختلط المعايير، وتختل الثوابت، تحت شعار المطالبة بالحرية والشفافية ونشر الحقائق المجردة، مهما كانت درجة خروجها على المألوف والمتعارف عليه من القيم والأخلاق وحقوق المجتمع والأفراد، فهذا التعاطي مع الحرية يشبه تماماً كلمة الحق التي يراد بها باطل!!
ما نعرفه وما تعلمناه، وما نحاول أن نمارسه في الإعلام، يرتكز على حقيقة ثابتة، هي أن الإعلام مسؤولية، تجاه النظام الأخلاقي للمجتمع، تجاه الناس، تجاه الأمن القومي للبلد، وتجاه أشياء كثيرة مطالب الإعلام المحلي تحديداً العربي والأجنبي بأن يعرفها ويعيها ويتبناها، لا أن يتجاوزها ويضرب بها عرض الحائط، سعياً وراء الشهرة والمال والسبق الصحافي، والتميز على الآخرين لكسب مزيد من الجمهور، وتالياً مزيد من المعلنين والإعلانات، ومن ثم سباق محموم لا يتوقف في سبيل غاية واحدة، الأخبار المثيرة، والصور المثيرة، والقصص المثيرة، والأحاديث المثيرة، و..
إعلام الإثارة ليس سوى حفلة زار يدخلها جهلاء، اعتقاداً بأنها الطريق لتحقيق الأحلام والأمنيات، أو هي بازار مفتوح كل سلوك فيه مباح طالما أنه يحقق المكسب المادي، لكنه ليس الإعلام المطلوب، لا الآن ولا الأمس ولا في المرحلة المقبلة ولا في أي مكان وزمان، المطلوب هو الإعلام المسؤول، الإعلام الملتزم بقضايا الإنسان، صغرت هذه القضايا أو كبرت، بسيطة كانت أو خطيرة، وقبل قضاياه وآماله وتطلعاته وثقافته وهمومه، فإن هذا الإعلام موجه للإنسان بحد ذاته، فهو يخاطب إنسانيته لا بشريته، يخاطب أرقى ما فيه، لا أدنى ما يحتويه، وعليه فأخوف ما نخافه في الإعلام هو الإعلام الجاهل غير المسؤول!
إن للإعلام بكل قنواته دوراً أخطر مما نعتقده نحن الإعلاميين، وهو دور يتجاوز الإعلامي نفسه ويتجاوز المؤسسة الإعلامية ليتحول إلى أحد أخطر القنوات والأدوات المشاركة في صناعة الإنسان وتوجيه خياراته في الحياة.. وعليه فهو ليس مجرد شهرة واسم وأضواء ومعجبين وشعبية واسعة ومديح وهدايا و.. و.. وهو ليس فرقعات وأخباراً مصنوعة ومعاداً تدويرها كالنفايات.. الإعلام رسالة، ورسالة نبيلة جداً تحتاج ممن يحملها أن يفعل ذلك بوعي ونبل.
sultan@dmi.gov.ae