أكمل اليوم، مع صاحب الرسالة التي بدأت بعرضها في مقالة الأمس، وكنت قد انتهيت عند النقطة الثانية التي تحدثت عن معوقات دخول المواطنين إلى قطاع التجارة والعمل الخاص، ما دفع بكثيرين ممن أرادوا ايجاد مصادر مصاحبة للوظيفة ـ من أجل دخل أكبر لمواجهة أعباء المعيشة ـ إلى كفالة الأجانب في الرخص التجارية لقاء أجر رمزي سنوي، في حين لجأ بعضهم إلى استغلال وظائفهم العامة في أوجه الكسب غير المشروع!
إن الإمارات بمدنها الرئيسية الكبيرة، تعتبر مركزاً تجارياً رئيسياً في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا، زاد من أهميتها المشاريع الجبارة التي نشاهدها بين الفترة والأخرى، ومع ذلك فإن غالبية قطاعات الأعمال الحرة يسيطر عليها فئتان هما كبار التجار من المواطنين وهؤلاء لا يزيدون على 10% من المواطنين وذلك بتقدير مبالغ فيه.
والوافدون وهم فئات متعددة، إلا أنهم بشكل أو بآخر يسيطرون على قطاعات كاملة من السوق ويحصلون على نصيب الأسد من التسهيلات والقروض البنكية!
كما ان المدخرات البسيطة المتفرقة للمواطنين مودعة في المصارف في صورة حسابات جارية، لان كل فرد منهم لم يتمكن من استثمار مدخراته في حد ذاتها في عمل تجاري، مع أنها تشكل مبالغ ضخمة في مجموعها! فمن ينتفع بها في حقيقة الأمر؟ إنهم التجار الأجانب الذين يستثمرون أموال المدخرين المواطنين عن طريق الاقتراض من البنوك المحلية!
علينا ألا ننسى بأن المشاريع الحكومية والبرامج التي ظهرت في دبي لدعم مشاريع الشباب هي مثال حي على امكانية النجاح ومعيار مشجع لتطويرها وتعميمها على مستوى الدولة بغرض تشجيع الشباب الإماراتيين للدخول إلى قطاع العمل الحر لكسر احتكار الأجانب لهذا القطاع.
وعلينا هنا ان نفرق بين الفئات المختلفة للأجانب والوافدين، فهناك عمالة متدنية بأعداد هائلة تأتي وتذهب، وفي المقابل هناك فئات من العمالة الماهرة وذات المستويات المهنية والعلمية العالية الذين يسيطرون على آلاف من فرص الوظائف والعمل، وهذا دليل دامغ على ان الإمارات تحوي من الفرص ما لا يمكن تخيله مقارنة بأعداد مواطنيها الذين لابد من إعدادهم وتأهيلهم ليأخذوا أماكنهم فيها بجدارة واستحقاق.
وعليه فإن أحد الواجبات الملقاة على وزارة كوزارة العمل مثلاً هو السعي الدائم والضاغط لحل مشكلة البطالة بين المواطنين سواء بالتخطيط أو بسن النظم والقوانين أو بالتنسيق مع كافة أجهزة الدولة وخاصة تلك الأجهزة المنوط بها معالجة وضبط خلل التركيبة السكانية التي ترتبط في أحد جوانبها بمسألة المتاجرة بالتأشيرات سواء من قبل المواطنين العاديين الذين تعاملوا مع هذه المسألة الخطيرة على أنها مصدر رزق ودخل.
أو من قبل المتنفذين في أجهزة الحكومة والموظفين أصحاب العلاقة بهذا المجال الحساس، ما قاد إلى مجموعة من القوانين والإجراءات لضبط سوق العمل والعمالة إلا أنها لم تنجح حتى الآن في القضاء على هذه التجارة الخطيرة «تجارة التأشيرات»!!
ان كل ما سبق عرضه من تحليل للواقع يقود الى نتيجة واضحة مفادها ان الإمارات بلد يموج بالفرص الاقتصادية الهائلة والمتجددة، التي اجتذبت استثمارات ومستثمرين من جهات الدنيا الأربع، فهل من الطبيعي ان تعجز عن استيعاب أبنائها وشبابها؟ وهل ستدوم هذه الفرص وتبقى للأجيال التالية؟
أيا كانت الأجابات فإن أي دولة بأحوالها الاقتصادية تشبه حالة الأرض والمطر، فأحيانا ينهمر، وفي مواسم أخرى يندر المطر، علينا ألا نترك امطارنا وفرصنا وازدهارنا يذهب لغيرنا فقط كما تذهب مياه الامطار الى البحر، علينا ان نبني السدود والمرافق والفرص وبرامج التدريب والمتابعة للحفاظ عليها، فالفرص الفضلى تذهب للحاضرين، ومع مضي الوقت تقل وتختفي اذا لم نستعد جيداً للمستقبل.
sultan@dmi.gov.ae