إذا جرت الانتخابات الفلسطينية التشريعية المزمعة بريح مواتية، ولم يحل بين حركة حماس وبين المشاركة فيها حائل، فسوف نكون شهوداً على ثالث نقلة نوعية مهمة في الحياة السياسية الفلسطينية المعاصرة منذ 1964.
كانت النقلة الأولى قد وقعت بفعل سيطرة فصائل العمل الفدائي على منظمة التحرير في ربيع 1969، بعد تنحية رئيسها ومؤسسها أحمد الشقيري في شتاء 1967.
أما النقلة الثانية فنتجت عن نشوء سلطة الحكم الذاتي في الضفة وغزة عام 1994، بما انطوت عليه من تبلور كيان سياسي مواز، ولعله عند البعض منافس أو بديل، للمنظمة. الذي أدى إلى هجران الأخيرة من حيث المواثيق والمؤسسات والأدوار والوظائف والأهداف ووسائل الحركة.
في طوره الأول، خضع النظام الفلسطيني لتصورات الشقيري وأسلوبه القيادي المبغض للحزبية والتحزب، والعاطف بقوة على البعد القومي للقضية الفلسطينية من دون التضحية بمفهوم «استقلالية القرار». ويصح القول بأن مؤسس المنظمة أراد تعميد الوحدة الوطنية داخل النظام الوليد على طريقة الصهر وتذويب الكل في واحد.
كما سعى إلى ضبط إيقاع السياسة الفلسطينية وفقاً لقياسات مرحلته، مرحلة المد القومي بكل طموحاتها وشعاراتها وأحلامها تجاه تحرير فلسطين مرة واحدة وإلى الأبد، عبر جهد عربي تقوده القوى والنظم التقدمية يكون للفلسطينيين فيه دور طليعي.
هزيمة 1967 آذنت بأفول ذلك الطور. ومع أن الورثة من الفصائل المسلحة، بزعامة فتح ياسر عرفات، لم يغيروا عنوان المنظمة إلا أنهم أجروا بها تحولات من الداخل مبرزين وطنيتها الفلسطينية قياساً بقوميتها العربية، وضرورة التعددية السياسية ومفهوم الصيغة الجبهوية التوافقية قياساً بفكرة التنظيم الواحد الموحد.
اللافت في هذا السياق أن معظم ـ إن لم يكن كل ـ المآخذ التي نسبت إلى عهد الشقيري ترددت أيضاً بين يدي عهد خليفته عرفات.ومن ذلك انفراد رئيس المنظمة باتخاذ قراراتها وخروجه عن ميثاقها وتحريضه لفريق قيادي ضد آخر ومهادنته لهذا النظام العربي أو ذاك وانتهاكه للعمل المؤسساتي.. إلى آخر هذه الخصائص التي توسم بها النظم السلطوية في الحالات المعتادة.
ومع ذلك فقد انهارت «جمهورية الشقيري» بعد ثلاثة أعوام فيما صمدت جمهورية عرفات لأكثر من خمسة وثلاثين عاماً. ويعود ذلك باقتضاب إلى التباين الفارق بين شخصيتي الزعيمين ومكوناتهما الذاتية، وأيضاً للاختلاف الكبير بين زمني الرجلين فلسطينياً وإقليمياً ودولياً.
وحجم الموارد المذهل الذي توفر لعرفات ونظامه مقارنة بالشقيري، واستناد عرفات إلى تنظيم قوى (فتح) رفض التخلي عنه تحت أي ظرف مع افتقاد المجال الفلسطيني مطولاً للتنظيم المنافس نضالياً وشعبياً.
وليس صحيحاً أن قيام السلطة الفلسطينية هو الذي شكل هذا المنافس، ذلك لتمدد سيطرة عرفات وفتح على كل من المنظمة والسلطة. لكن التحولات التي اجتاحت المنظمة شكلاً ومضموناً غداة قيام السلطة، تبرر الحديث عما اعتبرناه نقلة نوعية ثانية في النظام الفلسطيني. كيف لا، وقد شاهت معالم المنظمة وجرى تجريفها من الداخل والخارج، حتى باتت بلا ميثاق من الأصل!.
وعليه، فإنه للدقة والتحديد يمكن التمييز داخل عهد عرفات وفتح الممتد بين نظامين فلسطينيين، يفصل بينهما تاريخ نشوء السلطة وأيلولة المنظمة إلى الاعتكاف الإجباري.
وخلال مرحلة السلطة راح المنافس الحقيقي لهذا العهد كله بنظاميه يتبلور خارج المنظمة والسلطة معاً، وبالطبع خارج سيطرة الزعيم عرفات ونخبته وتقاليده. وواضح أن حركة حماس شغلت هذا الدور بجدارة.
والحق أن معالم هذا المشهد تسللت منذ تأسست حماس وانغمست في معمعة المقاومة إبان الانتفاضة الأولى، حتى أن البعض ينسب تعجيل تيار عرفات بمغامرة أوسلو لانزعاجه من هذا الوافد القوي والرغبة في وقف نموه، قبل أن يسحب البساط من تحت أقدام المنظمة وعُمدتها فتح إلى درجة خطر الإزاحة.
ولأن مساحة الافتراق أو التعارض بين فتح السلطة وحماس تعد واسعة بحق، على أرضية أيديولوجية شبه جذرية يعززها الاختلاف على الأهداف ووسائل تحقيقها، فإن قرار الأخيرة بالمشاركة في العملية السياسية الفلسطينية بعامة، ربما كان مفاجئاً حتى لأوساط السلطة ذاتها.
لكنه يؤسس في كل حال للطور الثالث من أطوار النظام الفلسطيني، لاسيما لجهة ما سيتأتى عنه ويترتب عليه من مستجدات في كينونة وبنية هذا النظام وسيرورته وتفاعلاته على المضمارين الداخلي والخارجي.
فحماس، وهي خارج المنظمة والسلطة، تمكنت بخطابها وممارستها المغايرة من إرباكهما.. أثرت على خطاب فتح الحاكمة وسياستها وتكتيكاتها، وحركت المياه الاسنة في بنيتها، وأجبرتها على إعادة النظر في أحوالها..
وعندما اقتربت حماس من دائرة التنافس عبر المدخل المدني والبلدي المحلي، أصبحت فتح تستشعر اهتزاز مكانتها التقليدية وكيف أنها أمام خصم يقتطع بالتدريج من شعبيتها، زاحفاً نحو الندية معها في مقاسمة الرأي العام.
وهو خصم لا تجدي معه أنماط المساومة القديمة التي احترفت بها محاصصة الفصائل المنمنمة وضبط تحركاتها في حدود مأمونة لها. وإجمالاً، أثار صعود حماس جدلاً فكرياً وتنظيمياً معمقاً ما زالت أصداؤه تتردد داخل فتح.. والذي لا شك فيه أن هذه الأصداء تضخمت ونمت غداة قرار حماس الدخول إلي النظام السياسي، معقل فتح وعلة قوتها.
وتقديرنا أن هذا المستجد سيكون مفيداً في تسريع وتيرة إصلاح فتح من الداخل، تنظيمياً وسلوكياً، وكذا في أخذ مفهوم إصلاح النظام الفلسطيني برمته على محمل الجد. إذ لن تطمئن فتح بعد الآن لأغلبيتها المضمونة التي أوردتها وأوردت معها الحياة السياسية الفلسطينية موارد التكلس والرتابة.
على أن حماس بدورها معرضة لبعض التحولات. فقرارها بدخول النظام ومؤسساته هو في حد ذاته تحول كبير عن بعض ثوابتها. وهي لن تنجو من مفاعيل هذا القرار.
بصيغة أخرى، لن تبحر حماس في محيط النظام الفلسطيني بدون أن تتعرض للبلل!. هناك قيود وضوابط يتعين عليها مراعاتها في هكذا رحلة. ومن ناتج التأثيرات المتبادلة بين قطبي هذا النظام وبقية قواه الأقل حجماً وثقلاً، سوف ينتعش المجال السياسي الفلسطيني.. ستأخذ التعددية السياسية الفلسطينية شكلاً حقيقياً، هو أقرب إلى المثال الديمقراطي الذي داعب خيال الفلسطينيين.
ولا يعرف على وجه التحديد كيف ستتعامل بعض الأطراف المعنية مع الوافد الجديد (حماس) حين يدخل في جوف النظام الفلسطيني بشطريه، السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير.
إسرائيل والولايات المتحدة مثلاً، راهنتا طويلاً على مطاردة حماس، بصفتها حركة «إرهابية» تتحرك خارج الشرعية الفلسطينية، وبالطبع عملتا على نبذها بالتداعي من الشرعيتين العربية والدولية..
فكيف الحال لاحقاً حين تمسي حماس القطب الموازي والمنافس لأشهر قوى الشرعية الفلسطينية، حركة فتح. ولأن قرار حماس الانعطافي بجدارة، ألهب اتجاه بعض أكثر وأقدم قوى المعارضة الفلسطينية إلى المشاركة في الانتخابات المزمعة (الجبهتين الشعبية والديمقراطية)، فإن السلطة الفلسطينية علاوة على شركائها التفاوضيين، عرباً وغير عرب، سيجدون أنفسهم أمام نظام غير وحيد القطبية قد لا تنفرد فيه فتح بصناعة القرار.
وعليهم بعدئذ أن يحسبوا لمواطئ سياستهم ومقاربتهم الإملائية التقليدية في سياق آخر.. هل يفسر ذلك غضب الولايات المتحدة والأوروبيين علاوة على الإسرائيليين من تحول حماس إلى الشرعية الانتخابية ؟
كاتب وأكاديمي فلسطيني