المحاكمة العلنية المنصوبة للرئيس العراقي المخلوع صدام حسين وبعض من كبار معاونيه، ليست حدثاً عادياً، أو بسيطاً يمكن المرور عليه مرور الكرام، فلا أميركا ديمقراطية ولا صدام حسين وأركان حكمه بريئون مما حدث ويحدث في العراق، لكن المحاكمة لم تنصب لإقرار العدل الأميركي في العراق، ولا لإثبات تورّط صدام في جرائم ضد شعبه وجيرانه. المحكمة عقدت لأن محاكمة صدام هي الرمز الأساسي لنهاية عراق وبداية عراق آخر مختلف في كل شيء، ولأن محاكمة صدام وأركان حكمه رسالة لكل «من ألقى السمع وهو شهيد».
لم أشعر خلال متابعتي لساعات من تفاصيل الجلستين السادسة والسابعة بأي نوع من تلك الرهبة والهيبة والجدية التي تثيرها قاعات المحاكم عادة، حتى تلك التي نشاهدها في الأفلام الأميركية، فالقاضي ظهر غير قادر على ضبط سير مجريات المحاكمة، كما تبدو هيئة الادعاء العام بعيدة جداً عن شخصية المدعين العامين، فالكل يتلقى السخرية والتوبيخ من صدام حسين وبرزان التكريتي المرة تلو الأخرى، من دون تسجيل أية مواقف حاسمة اعتماداً على سعة صدر القاضي!
صدام حسين يكذب بدل المرة ألف مرة، ويفعل برزان وطه ياسين رمضان الشيء نفسه، لا يكذبون في رواية الحوادث، فهذه لم نسمعها ولم نشاهدها، فلا يمكننا أن نقطع بحدوثها من عدمه، ذلك متروك لقرار المحكمة، لكنهم يكذبون في ربط الأحداث وفي المنطق الذي يستخدمونه في التبرير، فأي منطق يمكنه أن يصدق أن صدام كان يشجع العراقيين على الشكوى ضده وضد أحد أبنائه أو ضد أجهزة حكمه كما يدّعي برزان؟
وأي منطق يمكنه أن يقبل أن أشخاصاً محتجزين بتهمة تدبير محاولة اغتيال رئيس دولة يعاملون بشكل إنساني من قبل مخابرات هذا الرئيس؟ وأي منطق يمكنه أن يفهم تردد كلمات مثل العدل والديمقراطية على لسان شخص كبرزان التكريتي كان يعمل على رأس جهاز المخابرات زمن صدام؟
صدام حسين، يحمل القرآن بيده وهو يدخل قاعة المحكمة، ويطلب وقتاً مستقطعاً للصلاة، ويبدأ مرافعته الدفاعية رداً على الشاكين مستشهداً بآيات من القرآن دائماً، دون أن ينسى التأكيد بأنه مؤمن عادي، وبأنه لا يخاف سوى الله.. صدام يراهن إذن على كسب الرأي العام العراقي والعربي والعالمي ما يؤكد أن ذاكرة الطغاة ضعيفة جداً، وانتقائية جداً، فإذا حدث وتعاطف أحد في العالم العربي مع صدام فلأن الطغيان ليس صفة فرد منا، وإنما هو تركيبة مجتمع وحالة تاريخية لا نريد الفكاك من تبعاتها!
لا صدام بريء، ولا أميركا ديمقراطية، فالرجل ليس ابن البارحة، كما يقولون، إنه شخص يحمل على عاتقه 35 عاماً من حكم العراق ليست خافية على أحد بكل كارثيتها، كما أن نتائجها واضحة على العراق والعراقيين، وهي لا تحتاج إلى جدل ومناقشة، ما يحتاج إلى جدل وإلى مناقشة هو أكبر من ذلك، هو أعداد الذين قتلوا أو فقدوا أو نفوا وأبعدوا من العراق زمن حكمه، هو ثروات العراق، وسنوات تنميته، هو الحروب العبثية، هو الطغيان والجور ومصادرة الحقوق البسيطة للعراقيين، هو التمييز ضد شرائح الشعب، هو قبضة العسكر الشيطانية، هو غزو الكويت الكارثي، وحرب إيران اللامنطقية، هو العلاقة مع أميركا من ألفها إلى يائها، هو.... وهو....
يحتاج صدام لمئات المحاكمات.. لكن هل صدام وحده المتفرد بهذا النمط من أنماط الحكم؟ هل هو الوحيد الذي إذا تعرض لمحاولة اغتيال أباد قرية بكاملها.. لنفتش جيداً في الذاكرة.. ولن نحتاج لوقت طويل لنعرف الإجابة.
sultan@dmi.gov.ae