الذين يتحدثون عن إصلاح ديمقراطي شامل في المنطقة العربية عليهم أن يتوقفوا طويلاً أمام تجربة الانتخابات البرلمانية المصرية الأخيرة. ليس فقط بحكم دور مصر ومكانتها وتأثيرها، ولكن بسبب ما حفلت به هذه الانتخابات من دروس وعبر، وتداخل الضغوط الخارجية مع الداخلية وظواهر العنف والبلطجة والمال الانتخابي بما أفضى في النهاية إلى الصعود الدرامي لحركة الإخوان المسلمين والموت «بالسكتة الانتخابية» الذي طال قوى اليسار والمجتمع المدني.

بجانب كل ذلك أو بعيداً عنه فإن الكثيرين يسألون: ما هي المعايير التي على أساسها يذهب المصريون إلى صناديق الاقتراع، وكيف يتخذ هذا الناخب قرار التصويت ولمن؟

خلال الانتخابات قدر لي أن أعايش جولة لأحد المرشحين المستقلين في قرى عدة بالريف المصري. ذهبت مع المرشح إلى القرية الأولى.. دخلنا بعض المنازل التي ينظر إليها باعتبارها «مفاتيح» تستطيع التأثير في بقية القرية نظراً لما تتمتع به هذه المنازل وأصحابها من تأثير سواء بحكم المكانة الاجتماعية أو التعليمية أو الدينية... يستقبلك صاحب المنزل وكبيره ببشاشة منقطعة النظير.. يتعرف عليك من خلال السؤال الشهير: «أنت مين وابن مين»؟ نجيبه فيقف للسلام عليك مرة أخرى، لا يسألك مطلقاً لأي حزب تنتمي، وأي أفكار تطرح، أو ما هو موقفك من القضايا والمشاكل الكبرى.

يتشعب الحديث في الذكريات والآباء والأجداد وبعد الشاي والقهوة تنتهي الجولة بالتأكيد على أن صوت هذا الرجل وأسرته وعائلته مضمون مئة في المئة لهذا المرشح.. نخرج من المنزل إلى آخر ويتكرر السيناريو بحذافيره تقريباً... وخلال الانتقال من منزل إلى آخر تلتقي بعشرات الناس الجالسين في الشارع أو أمام منازلهم.. تسلم عليهم، يردون التحية بأفضل منها، وعندما تناشدهم ضرورة الذهاب لصناديق الانتخاب والتصويت لهذا المرشح، فيحلفون لك بأغلظ الأيمان، أن صوتهم لن يذهب إلا لهذا المرشح، بل قد يغضب بعضهم بشدة ويزمجر، ثم وفي حركة مسرحية من دون اعداد مسبق، يبدأ في قراءة الفاتحة كدليل حاسم ونهائي على التزامه بالتصويت لهذا المرشح.

لن أطيل عليكم رسب المرشح الذي كنا نسير معه، والذي التزم غالبية من التقيناهم بالتصويت له.

إذن مازالت العصبية والقبلية هي المحرك الأول والأساسي في قواعد التصويت، ولكنها للموضوعية لم تكن العامل الوحيد، وإلا كيف نفسر حصول الإخوان المسلمين على أكثر من 20% من المقاعد؟ التفسير الرئيسي هنا أن من صوتوا للإخوان وبضعة مرشحين آخرين ذهبوا فقط بدافع التصويت للمبدأ.

الخلاصة أن أمام مصر ومعظم المنطقة العربية وقتاً طويلاً حتى يذهب معظم الناس إلى صناديق الاقتراع للتصويت لمرشح معين على أساس أفكاره وبرنامجه وحزبه.

ليس ذلك دعوة لليأس، فعندما يستعيذ الشيخ أحمد الصباحي الذي كان مرشحاً على مقعد الرئاسة من الشيطان الرجيم أن يفوز بالرئاسة معلنا تأييده لحسني مبارك، وعندما يعتنق غالبية المصوتين «ديمقراطية قراءة الفاتحة» فالمغزى الوحيد هو أن القوى الغيورة والحية في مصر والمنطقة أمامها شوط طويل للوصول إلى بدايات الإصلاح السياسي والديمقراطي.

emadiraqi@yahoo.com