من الأوراق الإقليمية المهمة بيد إيران نفوذها في العراق، ولعل هذا النفوذ أخذ منذ حين يقلق السياسة الأميركية ومصالح دول إقليمية أخرى، وقد أدركت الإدارة الأميركية أنها تجاهلت طويلاً نشاط إيران في العراق وتركت لها الباب مفتوحاً لتؤسس نفوذها وتصبح شريكاً في تقرير مصير العراق من خلال شروط أوجدتها، منها نمو دور أصدقائها وحلفائها فيه في المرحلة السابقة، ولعل أولويات السياسة الأميركية وأعباء الاحتلال لم تكن تسمح لها خلال السنوات الثلاث الماضية بمواجهة النفوذ الإيراني ونفوذ حلفاء إيران مباشرة، خاصة وأن المقاومة العراقية للوجود الأميركي كانت تتنامى في وسط العراق وغربه مما زاد الخشية من انخراط الجنوب العراقي في المقاومة، وذلك ـ إن حدث ـ يوقع القوات الأميركية والسياسة الأميركية في مأزق حقيقي.

وقد استغلت إيران التساهل الأميركي حيال نشاطها وأوجدت شروطاً واقعية على الأرض لترسيخ هذا النفوذ الذي أهّلها للشراكة الفعلية في تقرير مصير العراق، وهذا ما أدركته إدارة الرئيس بوش متأخرة ولاحظت أن استمرار تنامي هذه الشروط واستمرار تجاهلها قد يوصلها إلى عراق آخر غير ما تتمناه، ويجعلها جزئياً أسيرة للسياسة الإيرانية وعاجزة عن بناء عراقها من جهة وإتمام تنفيذ مشاريعها في المنطقة من جهة أخرى واضطرارها أخيراً للتعامل مع إيران في العراق معاملة الند للند، وهي التي ترفض أي شريك آخر باستثناء شراكة بريطانية متواضعة.

ربما أدركت الإدارة الأميركية أن لا حل لأزمتها إلا باتباع سياسة أخرى على رأسها إقامة نظام سياسي يعتمد توازن القوى الداخلية واشتراكها جميعاً في إدارة شؤون البلاد، وهذا ما جعلها تتصل بالقيادات السنيّة مباشرة وبقيادات المقاومة مداورة منذ منتصف العام الحالي، وتسمع مطالبها وتأخذ ببعض هذه المطالب وتقتنع أن لا حل للمشكلة إلا بإعادة التوازن الذي اختل وعلى رأس ذلك إضعاف النفوذ الإيراني وعقلنة ممارسات حلفاء إيران والقبول بعودة القوى المغيّبة وسماع مطالبها.

وفي ضوء ذلك يمكن رصد إجراءات وتصريحات أميركية في العراق تنم عن وجود توجهات أميركية جديدة أو على الأقل تعديل بالسياسة القائمة بهدف تحقيق التوازن العراقي الداخلي سواء عن قناعة بأحقية المطالب أم عن اضطرار لقبولها في ضوء ظروف جديدة، لا مناص معها وفيها من قبول عودة المغيّبين ومشاركتهم في إدارة العراق.

وهذا ما تؤكده التصريحات والممارسات الأميركية خلال الأسابيع الماضية فقد لوحظ مثلاً أن القوات الأميركية هي التي (اكتشفت) مراكز تعذيب في العراق وسجوناً غير شرعية بعضها في مباني وزارة الداخلية العراقية، مما يدين سياسات الحكومة العراقية الحالية وبالدقة سياسة بعض الفئات المشاركة فيها وهي حليفة لإيران، ثم بدأنا نسمع من الأميركيين تصريحات واضحة عن ممارسات شاذة للميليشيات التابعة لأصدقاء إيران وعن دور إيران في دعم هذه الميليشيات، واتهامات موجهة لإيران مباشرة بأنها أدخلت صناديق اقتراع مملوءة بالأصوات أثناء الانتخابات النيابية الأخيرة، وهذا كله في الواقع ليس جديداً، ولكن الجديد هو الكشف عنه من قبل المسؤولين الأميركيين والتركيز عليه وتوجيه التهم مباشرة إلى إيران.

ترافق هذا كله مع سيل من التصريحات التي تعبر عن ارتياح السياسة الأميركية لمشاركة السنّة في العراق، والإيحاء بقبول المقاومة مبدئياً (وليس الإرهاب) والحديث عن الفصل بينها وبين الإرهاب وأخيراً الإفراج عن معتقلين، وقد شجعت السياسة الأميركية قبل ذلك على عقد مؤتمر القاهرة الذي ضم ممثلين لمختلف الأطياف السياسية والاجتماعية في العراق وفيها ضمناً طيف المقاومة، والتأكيد على أن الجميع شركاء في تقرير مصير البلاد والتنويه بضرورة سد الثغرات في الدستور، والتأكيد قبل صدور نتائج الانتخابات أنها ستفرز أربع كتل رئيسية بعد أن كان المجلس الوطني السابق يتعكز على ثلاث كتل بسبب امتناع السنة أو منعهم من المشاركة.

وأصبح واضحاً الآن أن السياسة الأميركية تعمل على تراجع النفوذ الإيراني، كما أصبح واضحاً أنها بدأت تفرق بين الشيعة وبين أنصار إيران وميليشياتهم، وتعمل على إقناع الأكراد أن لهم حجماً وقوة لا يجوز المبالغة بهما، وأدركت أهمية التآلف بين القوى الممثلة للمجتمع العراقي وخطورة إقصاء أية جهة لأن ذلك سيكون وبالاً عليها وعلى العراق الجديد.

لاشك أن إسقاط الورقة العراقية من يد إيران يحل مشكلة عراقية داخلية تمنع طغيان أحد على أحد، ويزيل المخاطر التي أخذت الدول المحيطة بالعراق تخشاها، في الوقت الذي يسهّل على الأميركيين الخروج من المستنقع العراقي، ويبدو أن اقتناع السياسة الأميركية بهذا كله جعلها تتراجع عن عدائها المسبق لبعض الفئات السياسية والاجتماعية العراقية وتقتنع بأن غلوها السابق وتجاهلها آراء قيادات دول المنطقة الأخرى أمر لا ينبغي الاستمرار فيه، وأن القضية العراقية ذات تعقيدات داخلية وإقليمية يتوجب أخذ تفاصيلها بعين الاعتبار، وبدء تفكيكها بعقلانية لم تكن عليها السياسة الأميركية منذ احتلال العراق حتى الآن.

أوقع الصلف الأميركي إدارة الرئيس بوش بأخطاء عديدة وخسائر عديدة، فقد اعتقدت الإدارة أن العراق سيكون لقمة سائغة لها فور احتلاله ولذلك أعلن الرئيس بوش بعد أسابيع من الاحتلال إنهاء حالة الحرب جاهلاً أو متجاهلاً احتمال بدء المقاومة وتعقيدات الوضع العراقي وربما افترض الرئيس أن القوى السياسية العراقية الموالية له قادرة على إدارة العراق وإقصاء ما عداها، لكن تطور الأحداث أقنعه أن الوضع العراقي الداخلي أكثر تعقيداً مما يظن.

وأن الاحتلال مرفوض من مختلف شرائح الشعب العراقي وقواه الحية رغم مواقف هذه الشرائح من النظام السابق بل رغم كرهها للنظام السابق فهذا لا يبرر ذاك، وأنه كان من الخطأ التساهل مع مطالب الفئات الموالية بدون شروط، والسكوت عن ممارسات ميليشياتها وأخطاء هذه الميليشيات الفاحشة التي تغولت وسيطرت على الدولة وإدارتها ومرافقها وفرضت قوانينها الخاصة بها مما جعل القيادة الأميركية تتململ منها ثم تحذر ثم تشعر بخطرها فبدأت الآن تعمل على إضعافها.

وتخلصت من الوهم بإمكانية قيام عراق جديد بدون قديمه، ثم اكتشفت أن سنّة العراق ليسوا قوة عابرة فقد لعبوا تاريخياً في العراق دور العامل الذي يشبك جميع فئاته الاجتماعية والسياسية والطائفية ويوحدها حول مبدأ المواطنة العراقية، فهم والحالة هذه عنصر توحيد لا تفرقة وأن إقصاءهم سيمزق العراق لا محالة ويوجد الظروف التي تؤدي لحرب أهلية فيه، واقتنع الأميركيون كما يبدو أن تنوعات المجتمع العراقي عامل غنيً له لا مسببات ضعف، وأن اللعب بتوازناته أو الاستخفاف بها أمر لا تحمد عقباه.

كاتب سوري