في أثناء بث مراسم استقبال قادة دول مجلس التعاون الذين كانوا يتوافدون على مطار أبوظبي لحضور القمة السادسة والعشرين لدول المجلس لفتت انتباهي الصور التي كانت تبث من إحدى محطاتنا التلفزيونية في أثناء فترات الانتظار أو الفترات ما بين النقل المباشر من مطار أبوظبي والبرامج التي كانت تغطي أحداث الاجتماع أو قضاياه.
كانت هذه الصور عبارة عن مشاهد من أماكن أو مناطق مختلفة من دول المجلس وكان معظمها مناظر من البيئات الطبيعية التي تنتشر فيها وأماكن سياحية وبعض المنشآت الصناعية. الذي جعلني أتوقف عند تلك الصور هو أنه لم يكن هناك الكثير من البشر فيها ، على الأقل في الأجزاء أو المشاهد التي رأيتها، والتي تم تكرارها واستعراضها مرات عديدة. الصور التي ظهر فيها بشر كان معظمها ملتقط في بعض الأماكن السياحية والتجارية، كمراكز التسوق أو الفنادق. ولأنني أعنى أحيانا بمعرفة أو قراءة الدلالات التي تحملها الصور، فلقد حاولت أن أقرأ ما حملته تلك الصور من دلالات أو تأويلها بما يساعد على فهم رموزها.
الذي استوقفني في البداية وأنا أتابع تلك المشاهد التي تكررت على شاشة التلفزيون هو سؤال «أين البشر»، أين أهالي مناطق الخليج؟ والذي عنيته هو غياب البشر بكل أشكالهم وأدوارهم التي يمثلونها في الحياة. أي أن السؤال كان يدور حول غياب مواطني تلك الدول من الصور التي استعرضها التلفزيون، والتي يدور محورها حول المكان وليس الإنسان. ترى لماذا غاب أهالي الخليج؟
لماذا غاب النجارون والأطباء والطلبة والمهندسون والعمال والمزارعون وصيادو الأسماك والراقصون والحرفيون والأطفال الصغار وأطفال المدارس والمعلمون والأساتذة، وغيرهم وغيرهم، ترى لماذا أهمل الإنسان الخليجي وألغي من الحضور على الشاشة (أرجو المعذرة في استعمال صيغة المذكر هنا، ليس من منطلق تجاهل المؤنث وإنما استنادا على أن اللغة العربية لم تجعل المذكر خالصا وإنما ضمنته المؤنث، شأنها في ذلك شأن ركائز أخرى في الفكر العربي).
لا شك أن هناك طبيعة جميلة في دول مجلس التعاون، وهذه الطبيعة تحمل كل ما يشكله الجمال الطبيعي في العالم من تنوع ومن ثراء. فهناك البحر وشواطئه الرائعة، وهناك الصحراء والجبال والمزارع وغيرها.
وفي جانب العمران هناك أيضا مبان عديدة بعضها له جمالية خاصة، وبخاصة ذاك الذي فك من أسر الاستنساخ لنمط العمران الغربي الذي يختزل الوجود الإنساني في علب اسمنتية أو زجاجية واتكأ على التراث العمراني الذي يجعل الإنسان في نقطة المركز. ولا شك أيضا أن هناك منجزات كبيرة في ميادين مختلفة حققتها هذه الدول، ولكن كل هذه الأشياء تصبح ناقصة إذا لم نجعل الإنسان في نقطة المركز منها.
فالإنسان هو صانع كل هذه الأشياء وهو الذي يرتكز عليه الوجود. من هنا فإن تغييب صورة الإنسان الخليجي بهذا الحجم لا يصب إلا في مجال الصورة النمطية والمغرضة التي تروج عنه وتقدمه على أنه غير متعلم وغير منتج وبحاجة إلى «إعادة صياغة». أي أننا عندما نسقط من الحضور صورة الإنسان الخليجي، وبخاصة ونحن نعاني من تشويه لملامح تلك الصورة، فإننا نكون، وإن بغير قصد، قد أسهمنا في تعميم تلك الصورة التي يحاول البعض أن يروجها والتي تتركز في أن بلدان الخليج ليس بها بشر، وبالدرجة الأولى البشر المنتج في ميادين الحياة والعلوم المختلفة. لذا جاء سؤالي حول، لماذا لم تحتو تلك الصور على منجزات الإنسان الخليجي في الميادين الإنسانية، لماذا لم نركز على مجالات العلم والفكر والثقافة والانتاج؟
غياب الصورة في وسائل الإعلام له أهمية حضورها نفسه عندما ندخل في مجال تحليل الخطاب الإعلامي. فحينما تظهر صورة وتغيب أخرى فنحن معنيين بالصورة الغائبة بقدر اهتمامنا بالصورة نفسها التي نراها، لأن كلاهما، أو بالأحرى كلا الحضور والغياب له دلالاته التي تستحق القراءة. وهذا الأمر ينطبق حتى على اختيارات أحاديثنا، لكنه يكتسب أهمية أكبر في مجال الرسائل الإعلامية.
وذلك لأن الرسالة الإعلامية تصل وتؤثر في جمهور واسع من خلال كونها إحدى مصادر الوعي الهامة له، وبخاصة في المجتمعات الحديثة. كما أن الدلالات التي تحملها الصور تكتسب أهمية خاصة في المناسبات التي تستعمل فيها. أي أن الاختيار لا يكون عشوائياً هنا وإنما يراد به التعبير عن شيء، أو عن رؤية، وبالتالي هو ليس اختيار حدث صدفة، وإنما هو في النهاية قرار.
فعلى سبيل المثال، عندما تم التركيز في الصور التي حملتها المحطة للمشاهدين لتعبر بها عن واقع دول مجلس التعاون على المناظر الطبيعية وصور المباني والمنشآت الاقتصادية والمصانع والفنادق، بدرجة كبيرة، وإهمال الحضور البشري، أو أن يكون هذا الحضور جزءاً من المشهد العام، وليس في نقطة جوهرية، فإن هذا الاختيار له بلا شك دلالاته.
فالتركيز على المنشآت والمباني والمناظر الطبيعية يعني أن هذه هي الصورة التي نود أن يرانا الآخرون بها في هذه المناسبة؛ دول ذات جمال طبيعي، وقد قطعت شوطاً كبيراً في ميادين العمران والبنية التحتية. أي أننا هنا ومن خلال هذا الاختيار نقدم للآخرين ما نراه أكثر أهمية بالنسبة لنا. انطلاقا من هذه الرؤية كيف نقرأ الغياب البشري؟ هل نعني به أن الإنسان لا يأتي في المرتبة الأولى عندما نريد أن نقدم صورة عن دول مجلس التعاون؟ لنا أن نتفكر في هذا الأمر.
أريد فقط أن أركز فيما سبق على أن وسائل الإعلام تعبر عن موقف ما حين تختار شيئا وتهمل آخر. وبالتالي فهي لا تتسم بالحياد. وهذا الموقف ليس بالضرورة أحيانا أن يكون موقفاً تم اختياره عن وعي وعن تخطيط، وإنما قد يكون موقفاً خارجاً من اللاوعي أو اللاإدراك.
وهنا نحن بحاجة إلى أن نعيد استعراض المشهد ونحلله بغية الوصول إلى المعاني التي يمكن أن نصل إليها كمتلقين. وهذه المعاني تخضع هي الأخرى لما ذكرناه عن أجهزة الإعلام، أي أنه يتم التركيز فيها على ما يراه المتلقي مهماً بالنسبة له. وهذا المتلقي لديه أيضاً درجات من الإدراك بعضها يعود للوعي المباشر وبعضها يرتكز على مخزون العقل اللاواعي، وهذا المخزون اللاواعي، في غالب الأحيان، يسير الإنسان أكثر مما يسيره الوعي. ترى متى سنصل إلى المرحلة التي يصبح إعلامنا فيها مرتكزاً على الوعي بالمعاني التي يريد تصديرها للجمهور، وأكثر من ذلك، إلى الشعور بالمسؤولية تجاه ما يصدره لنا.
جامعة الإمارات