تتجه الأنظار صوب العراق، في انتظار ما تأتي به الأيام القليلة المقبلة، من مفاجآت، بعد الانتخابات الأخيرة التي جرت في الخامس عشر من ديسمبر الحالي، والتي خاضها ما يزيد على العشرة ملايين عراقي، لانتخاب أول مجلس نيابي، مدته أربع سنوات، وسط آمال تٌعقد على مجيء مجلس متوازن، وحكومة تستطيع أن تضمد الجراح العميقة، في جسد الوطن.
لا يقتصر الاهتمام، بنتائج هذه الانتخابات، على العراقيين وحدهم، فهنالك ترقب في عواصم الدول العربية، وعواصم الدول المجاورة للعراق، التي يهمها ما جرى وما يجري، على ساحته من أحداث، قد تؤثر على الاستقرار في المنطقة كلها.
وهناك ترقب في عواصم غربية عديدة، أهمها العاصمة الأميركية، التي تعول كثيراً على نتائج هذه الانتخابات، في ضوء تزايد الاستياء، لدى الرأي العام الأميركي، من سياسات الإدارة الحاكمة، وخاصة في العراق، وتزايد الضغوطات التي تتعرض إليها، من أجل عودة القوات الأميركية.
فبعد سلسلة من أربعة خطابات، ألقاها الرئيس الأميركي بوش، في مناسبات مختلفة، خلال الفترة القريبة الماضية، قدم فيها شرحاً لإستراتيجية النصر في العراق، ألقى خطابه الأخير في التاسع عشر من ديسمبر، مرحباً بإقبال جميع شرائح الشعب العراقي، على المشاركة في الانتخابات، ومهيئاً الرأي العام الأميركي لتقبل المزيد من الضحايا، في حربه على الإرهاب في العراق، ورافضاً في الوقت نفسه، وضع جدول زمني، لانسحاب قواته من العراق.
وقد قدم في خطابه المذكور صورة أقل ما يمكن أن يقال عنها، بأنها ليست متفائلة، فقد قال «أمامنا المزيد من الأوقات الصعبة والتضحيات»، و كرر في الخطاب لمرات عديدة، بأنه يتعين» «الصبر وعدم الخضوع لليأس بشأن الوضع في العراق ».
وكانت الزيارة المفاجئة، التي لم يعلن عنها، والتي قام بها نائب الرئيس تشيني، إلى بغداد، ضمن جولة سريعة في بعض الأقطار الآسيوية، تعبيراً عن قلق الإدارة الأميركية حول المسار الذي قد تتجه إليه العملية الانتخابية. فمن خلال ما تسرب من معلومات، كان الغرض من الزيارة، هو توضيح موقف الأدارة الأميركية، ورغبتها في أن تضم الوزارة القادمة، جميع مكونات الشعب العراقي.
ومن الملفت للنظر، إيقاف الفصائل المسلحة، لعملياتها خلال الانتخابات، وقد تكون هذه الفصائل، هي نفسها، التي تجري مفاوضات، غير معلنة، مع الإدارة الأميركية، والتي بدأت في اليوم الثالث من يونيو الماضي، في أحد الفيلات، قرب مدينة بلد، التي تقع على بعد 40 كيلومتراً، شمال العاصمة بغداد، حسب ما نشرت صحيفة الصنداي تايمز اللندنية، في عددها الصادر، في السادس والعشرين من يونيو الماضي.
وقد تزامن ذلك، مع قيام القوات الأميركية، بعد يومين من الانتخابات، بإطلاق سراح، ثمانية من كبار المسؤولين في النظام السابق، بينهم هدى عماش، التي سبق أن طالبت بعض الفصائل المسلحة، بإطلاق سراحها مراراً.
تميزت هذه الانتخابات، عن تلك التي سبقتها، في أوائل هذا العام، بتبلور الوعي السياسي بشكل أفضل مما كان في السابق، رغم استمرار سيادة دور العاطفة، والإصطفاف وراء الهوية العرقية أو الدينية أو المذهبية. كما تميزت أيضاً، بأجواء حفلت بالكثير من المخالفات والخروقات، قارب عددها الألف، حسب ما أعلنته المفوضية العليا المستقلة للانتخابات. وقد تخللتها كذلك، أعمال عنف، غير مسبوق، في بعض الأماكن، سقط من جرائها عدد من القتلى، علماً بأن من مارس العنف، ليس المسلحين، الذين تطاردهم القوات الحكومية والأميركية، بل بعض الفئات الانتخابية المتنافسة نفسها، والتي كانت متحالفة، مع بعضها، قبل سقوط النظام السابق.
ولم يمر سوى يومين، على إنتهاء العملية الانتخابية، حتى أنهت الفصائل المسلحة، هدنة الانتخابات، وعاودت نشاطاتها، في استهداف كبار المسؤولين في الدولة، وفي تفجير السيارات المفخخة، في الوقت الذي قررت فيه الحكومة، رفع أسعار المحروقات، إلى ثلاثة أضعاف سعرها الأصلي، مما سبب صدمة شديدة، وغضباً عارماً، في الأوساط الشعبية، وخاصة الفئات الفقيرة، وهي الغالبية في العراق. ودفع بالتفاؤل، الذي حصده المواطن العراقي، من تلوين إصبعه بالحبر البنفسجي، إلى التراجع وسط مشاعر الإحباط الشديدة.
ليس هنالك من مبرر قوي للتفاؤل بقرب إعادة اللحمة، إلى البنية الوطنية، التي مزقها السياسيون، وليس الفرد العراقي البسيط، الذي سُلبت إرادته، بالوعود الفضفاضة لقادة بعض الكيانات السياسية، خاصة بعد أن تراجعت الآمال المعقودة، على مشاركة الجميع، في العملية الإنتخابية، و ذلك بسبب الخروقات التي رافقت الانتخابات، وردود أفعال المتضررين من جرائها.
فقد قامت ثلاثة من الائتلافات الرئيسية المشاركة في الإنتخابات، ومن خلال مؤتمرات صحفية، بالطعن الشديد في شفافيتها، واتهموا طرفاً ثالثاً، بتزوير النتائج، من أجل الإنفراد بصناعة القرار، واتهموا المفوضية المستقلة للانتخابات كذلك بالتواطؤ. وقد تحفظت بعض هذه الائتلافات، على نتائج الانتخابات، في حين طلب ائتلاف آخر، إعادة الانتخابات، في بعض الأماكن، وخاصة بغداد. وقد كان رد المفوضية، على هذا الطلب، بعد ساعات قليلة من تقديمه بالرفض.
لا أحد يتوقع، أن تكون عملية تشكيل الحكومة القادمة، أمراً سهلاً أبداً، فالكيانات التي ستدخل المجلس النيابي، قد تباعدت بعد الانتخابات أكثر من ذي قبل. فهنالك أسابيع طويلة من المفاوضات قد تسبق تشكيل الحكومة، ولا مفر من أن تعمد جميع الكتلات، إلى تقديم التنازلات، لتجنب الإنزلاق إلى ما لا تحمد عقباه.
إن أمام العراق أياماً شاقة طويلة، فالمشاكل الرئيسية بين الفرقاء، والتي تصاعدت مع اكتمال كتابة مسودة الدستور الدائم، وزادت استقطاباً في الاستفتاء عليه، سوف تُنقل إلى ردهات المجلس النيابي الجديد، الذي عليه أن يقر التعديلات التي تجرى على الدستور، خلال أربعة شهور.
وسيكون من الصعب جداً، إجراء التعديلات، التي يصر عليها الليبراليون، ونواب المنطقة الغربية، إذ أن شروط التعديل التي وضعت، من الصعب جداً تحقيقها، سيما وأن الائتلاف العراقي الموحد والتحالف الكردستاني سيحافظان على قوتهما، في المجلس النيابي الجديد. ولن يتم أي تعديل ما لم يعتمد مبدأ التوافق، خاصة فيما يتعلق بالفيدراليات، التي يتمسك بها الائتلاف العراقي الموحد بشدة، في الوسط والجنوب، من جهة، والخلاف حول هوية العراق، وهي موضع خلاف مع التحالف الكردستاني من جهة أخرى. للعراق، في الدستور.
كاتب عراقي
majamal@emirates.net.ae