لقد أثار البيان الختامي لمؤتمر أبوظبي الذي جمع زعماء دول مجلس التعاون الخليجي وإعلان أبوظبي التفكير والاهتمام معا. وسيسجل التاريخ لهذا الدور مكانته البالغة وسيقول المستقبل كلمته بأن انعقد مؤتمر لمناسبة كريمة وذكرى مهمة قد جمع المؤتمرين على وحدة الرؤية لمصالح عليا مشتركة يريدون بها تأمين الواقع وتحسباً للتحديات وبناء المستقبل..

وهذا هو العقل بذاته عندما ترجح كفته للعمل من اجل مصالح البلاد بعيدا عن دعوة هذا الطرف أو ذاك او هذه المنظمة أو تلك.. ويثبت الخليجيون المرة تلو الأخرى أنهم أصحاب رؤية مستقبلية وواقعية مجدية وتحسّبا للمخاطر وإنهم ينظرون إلى مصالحهم العليا فوق أية اختلافات قد تفرقّهم وتبعثر إمكاناتهم وتشّتت كلمتهم وتعيث بأمنهم واستقرار بلدانهم - لا سمح الله - مؤملين ان يبقى هو النهج نفسه الذي كان الزعماء السابقون قد بدأوا به.

لقد نجح مؤتمر أبوظبي على مدى يومين 18- 19 ديسمبر 2005 وانطلقت مرحلة تاريخية جديدة اثر انطلاق إعلان أبوظبي بعد ان كانت العاصمة أبوظبي نفسها قد احتضنت المؤتمر التأسيسي للمجلس في مايو 1981.. وكما نجح الزعماء الراحلون في جمع كلمة هذه المنطقة في رؤية موحدة وعلى منهاج عمل مستقبلي متكامل، نجح الزعماء الجدد على رسم خطوط عريضة للمستقبل من نواح عديدة وأساسية يقف الأمن الخليجي في مقدمتها فضلا عن دعم التحولات الجديدة في العراق وتأكيد دول المجلس على دعم اعمار العراق.. ثم الدعوة لنزع أسلحة الدمار الشامل من المنطقة برمتها فضلا عن الوقوف ضد الإرهاب ومخاطره..

ان من يتأمل في هذه «التجربة» التاريخية سيقف على جملة معتبرة من المعاني الحقيقية التي لم تتوفر لدى اي منطقة إقليمية عربية أخرى كالتي فشلت تجاربها (الوحدوية والاندماجية والتعاونية..) العديدة في القرن العشرين كونها لم تبن على أسس حقيقية بل خرجت على العالم بشعارات مزيفّة ولم تهتم للمصالح العليا للشعوب..

وهذا ما نشهده من خلال مقارنة ما أنتجته السياسات الخليجية من تكامل خليجي إزاء انقسامات سياسات عربية وهول الفارق بين مجتمعات الخليج ومجتمعات عربية في كل مكان من عالمنا العربي. كما ويكفي ان نقارن بين منظمتين عربيتين أولاهما ناجحة ومستقرة وتخطط من اجل المستقبل مثل مجلس التعاون الخليجي وأخرى ضعيفة كسيحة ولا تدرك الواقع ولا العناية به مثل جامعة الدول العربية.

يأتي انعقاد مؤتمر القمة الخليجية في ابوظبي في مرحلة مهمة جدا من اجل معالجة ملفات مطروحة لم يسبق لها ان بحثت من حيث ابعادها وثقلها وتعقيداتها اذ فرضت نفسها على قادة المجلس بإلحاح سريع وخصوصا ما طرأ على المنطقة من مستجدات خطيرة تتفاقم يوماً بعد آخر. وإن الحرص على معالجتها يأتي من اجل إبقاء الاستقرار والأمن سائدين في المنطقة وإبعاد شبح أي مخاطر تدميرية أو إرهابية قد يسببها هذا أو قد يذكيها ذاك.

وهنا يتذكر الجميع لماذا تأسس مجلس التعاون لدول الخليج قبل ربع قرن من الزمن عندما وجد القادة وقت ذاك ان الحاجة باتت ماسة لمعالجة المخاطر التي كانت تعصف بالمنطقة ومنها: الثورة الإيرانية 1979 والغزو السوفييتي لأفغانستان في نهاية العام 1979،واندلاع الحرب بين العراق وإيران 1980 وغيرها من التحديات. لقد نجح القادة قبل ربع قرن في مشروعهم الذي تطورت آلياته وتوسّعت مجالات البحث فيه اليوم.. وبات بحاجة ماسة إلى تفعيل أدواره في هكذا زمن تستشري فيه المصاعب وتتعقّد فيه العلاقات..

ان جدولة القضايا الأمنية والسياسية والاستراتيجية يبدو انها في المشهد الأول من اهتمام الزعماء الخليجيين اليوم ومن ثم تأتي في المشهد الثاني خطط الاستراتيجيات الاقتصادية والاجتماعية.. سيّما وأن الهموم بما يحدث من تعقيدات دولية وإقليمية تفرض اهتمامهم كونها في قمة أجندة المؤتمر.. ان كلا من البيان الختامي وإعلان أبوظبي يعبران عن الشعور بالمتاعب الإقليمية وملفاتها شديدة الالتهاب والحساسية وخصوصا السياسية والأمنية والعسكرية..

وهي متعددة وموزعة على دول المحيط الإقليمي من أشقاء وجوار : تأييد تحولات العراق بعد سقوط النظام السابق وتغيير شامل لكل سياسات العراق الماضية ومرور العراق بمرحلة صعبة جداً من تكوينه السياسي حسب ما تفرضه الإرادة الوطنية..

فضلاً عن التوتر الذي تشهده العلاقات اللبنانية - السورية وما يقرره مجلس الأمن حسب قراراته ومتابعة التحقيق الدولي، والعصابات السياسية التي تغتال وتفجر وتفخخ وتدمر المخالفين السياسيين الأحرار.. والأخطر من هذا وذاك قضايا محاربة الإرهاب الذي بدا يمتد من مكان إلى آخر تحت أغطية خطيرة وبذرائع لا يمكن قبولها أبدا خصوصا وأن الإرهاب هو صراع عنيف ضد الأبرياء وضد كل الحياة المدنية..

ولعل من أهم ما يمكن للمجلس ان يتفق عليه الدعوة إلى إخلاء منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي من أسلحة الدمار الشامل لإبقائها منطقة آمنة ومستقرة تربط الشرق بالغرب بعيدا عن تعبئتها بمثل تلك الأسلحة المدمّرة،ولعل في ذلك إشارة إلى إيران في ان توقف برامجها النووية وأن تعيد الجزر الإماراتية الثلاث إلى أصحابها الشرعيين.

وأخيراً أقول،في ظل المشهد العربي المظلم تأتي قمّة أبوظبي لتنبري بإعلانها الذي ضمنته خطوط المستقبل كي تتعلق به الآمال من اجل كل جديد ومستحدث ومن اجل منطقة خليجية آمنة ومستقرة ومتطورة ومتفاعلة ومنفتحة على العالم. ان الضرورة باتت ماسة تتطلب العمل على تفعيل دور المجلس والإسراع بتطويره،وحين يحدثنا كل من بيان المؤتمر الختامي وإعلان أبوظبي بأن هناك «رغبة صادقة لدى دول مجلس التعاون في أن تظل منطقة الخليج والشرق الأوسط خالية من أسلحة الدمار الشامل» وأن ذلك «يشمل كل دول المنطقة وبدون استثناء أو تمييز وفي مقدمتها إسرائيل»، بل ولم يقتصر الأمر على هكذا خطوط،فما يخطط استراتيجياً على مستوى جعل مجلس التعاون كتلة اقتصادية محورية متطورة لها دورها في اقتصاد السوق سيجعل الشراكة الاقتصادية مسألة حيوية للمجلس في ان يتطور نحو المستقبل. وهذا ما نأمل حدوثه في السنوات الخمس المقبلة بحول الله.

مؤرخ عراقي